مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: لبنان على خط التفاوض الأميركي ـ الإيراني

كل المؤشرات الإقليمية توحي بأن المنطقة تتجه، ولو ببطء، نحو فتح مسار تفاوضي بين إدارة دونالد ترامب وإيران. فالحرب باتت تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتلامس أمن الممرات البحرية وحركة التجارة والطاقة، بعدما دخل الحوثيون مجدداً على خط المواجهة، وتوسعت دائرة الاستهداف لتطال الأراضي السعودية، فيما بات باب المندب وهرمز جزءاً من أزمة إقليمية واحدة تتجاوز في تداعياتها حدود الدول المتورطة مباشرة في الحرب.

إلى هذه العوامل، يحضر العامل الأميركي الداخلي. فالانتخابات النصفية تقترب، وأي إدارة أميركية تحتاج، في لحظة سياسية كهذه، إلى إنجاز يمكن تقديمه للرأي العام. ومن هنا لا يبدو التفاوض مع طهران مجرد خيار دبلوماسي، بل أحد المسارات التي يمكن أن تفرضها كلفة استمرار المواجهة واتساع رقعتها.

لكن أي تفاهم أميركي ـ إيراني، إذا حصل، لن يبقى محصوراً في واشنطن وطهران. لبنان سيكون من بين الساحات التي ستتلقى ارتدادات هذا المسار، خصوصاً أن وضعه الداخلي يبدو عاجزاً عن إنتاج تسوية مستقلة عن التحولات الإقليمية.

في الداخل اللبناني، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً. فالتجاذب السياسي بلغ مرحلة لا يستطيع فيها أي طرف فرض حسم كامل على الطرف الآخر. وتصعيد حزب الله داخل المجلس النيابي يمكن قراءته في سياق رفض التسليم بسهولة بمسار سياسي يهدف إلى تطويق نفوذه، في وقت يواجه فيه الحزب واقعاً ميدانياً وسياسياً أكثر صعوبة من مراحل سابقة.

في المقابل، لا تبدو جبهة حزب الله السياسية متماسكة كما كانت في السابق. والعلاقة مع التيار الوطني الحر، وما يرافقها من مواقف حادة لجبران باسيل، تعكس أزمة تحالف حقيقية. وهذه المواقف، في ظل الظروف الحالية، لن تمر بالضرورة من دون تداعيات سياسية وشعبية، ولا سيما داخل البيئة الشيعية التي تنظر إلى المعركة حول سلاح الحزب وموقعه السياسي باعتبارها جزءاً من صراع أوسع على مستقبل التوازنات في لبنان.

والمشكلة أن هذا الاشتباك السياسي يجري فوق أرض اقتصادية واجتماعية شديدة الهشاشة.

فالأزمة المعيشية لم تعد تفصيلاً في المشهد السياسي، بل أصبحت عاملاً قادراً على مضاعفة أي توتر. وأي قرار حكومي غير محسوب، سواء تعلق بالضرائب أو الأسعار أو الإجراءات المالية أو الملفات المرتبطة بسلاح حزب الله، يمكن أن يتحول سريعاً إلى مادة للاحتقان الشعبي.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فلبنان لا يحتاج إلى قرار كبير كي يدخل في أزمة جديدة. يكفي قرار واحد يُقرأ باعتباره استهدافاً لفئة سياسية أو اجتماعية، أو خطوة حكومية لا تراعي موازين القوى القائمة، حتى تنتقل المواجهة من المؤسسات إلى الشارع.

ومع ذلك، فإن تحويل هذا الاحتمال إلى حتمية سيكون مبالغة. فالقوى السياسية، رغم خلافاتها، تدرك كلفة الانفجار الداخلي في هذه المرحلة، كما أن أي مسار تفاوضي إقليمي قد يفتح مساحة جديدة للمساومات والتسويات.

لذلك يبدو لبنان اليوم معلقاً بين مسارين: مسار إقليمي قد يتجه نحو التفاوض وإعادة ترتيب النفوذ، ومسار داخلي لم يتمكن بعد من إنتاج صيغة مستقرة لإدارة الخلافات.

وبين المسارين، يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع لبنان أن يصنع تسويته الداخلية قبل أن تصنعها عنه نتائج التفاوض الإقليمي؟

التجربة اللبنانية تقول إن الإجابة غالباً لا تكون في بيروت وحدها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى