
عندما تتحول «العالم أكبر من خمسة» من شعار سياسي إلى خطاب استراتيجي
الصحفي بكير أتاجان
ألقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلمته في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد أن سبقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المنبر نفسه. لكن أهمية المشهد لا تكمن فقط في مضمون الخطاب، وإنما في الموقع الذي اختار أردوغان أن يتحدث منه، وفي الرسالة التي أراد إيصالها إلى العالم.
وهنا يمكن طرح قراءة مختلفة لما جرى.
بالنسبة إلى أولئك الذين يقولون في تركيا منذ فترة إن «أردوغان انتهى»، وإن «مرحلة أردوغان أُغلقت»، وإن «صفحة أردوغان طُويت»، فإن المشهد الدولي الذي ظهر في نيويورك يقدم معطى مختلفاً تماماً: أردوغان الذي قيل إنه انتهى، يعيد تقديم نفسه من جديد، ولكن هذه المرة ليس من داخل الساحة السياسية التركية، وإنما من على المنبر العالمي.
وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف عندها.
«العالم أكبر من خمسة»… من الشعار إلى بنية النظام الدولي
منذ سنوات، يكرر أردوغان مقولة أصبحت إحدى أكثر العبارات ارتباطاً بخطابه في السياسة الدولية: «العالم أكبر من خمسة».
هذه العبارة ليست مجرد شعار سياسي عابر، بل ترتبط برؤية أوسع لطبيعة النظام الدولي وآليات صناعة القرار فيه.
فمجلس الأمن الدولي، في بنيته الحالية، يمنح خمس دول دائمة العضوية حق النقض: فرنسا، والصين، وروسيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة.
لكن السؤال الذي يطرحه خطاب أردوغان هو: أين تمثيل بقية العالم في هذه المعادلة؟
أين العالم الإسلامي؟
أين الهند، بما تمثله من كتلة سكانية هائلة وثقل جغرافي واقتصادي وسياسي متزايد؟
وأين دول أمريكا اللاتينية وغيرها من المناطق التي لا تمتلك مقعداً دائماً في مجلس الأمن؟
من هنا تصبح عبارة «العالم أكبر من خمسة» تعبيراً عن اعتراض على اختزال القرار الدولي في دائرة ضيقة من القوى الكبرى.
من يمثل «المظلومين»؟
المضمون الأساسي الذي يطرحه أردوغان يقوم على فكرة واضحة: لا يمكن لخمسة أطراف فقط أن تجلس حول طاولة واحدة وتقرر مصير العالم، بما في ذلك مصير الشعوب والدول التي لا تمتلك القدرة نفسها على التأثير في القرار الدولي.
ومن هذا المنطلق يقول أردوغان، وفق هذه الرؤية: إذا كان خمسة أشخاص أو خمس دول يحددون مصير العالم، فأنا سأكون إلى جانب أولئك الذين لا يمتلكون هذه القوة، أي إلى جانب «المظلومين»، في مواجهة احتكار الخمسة لصناعة القرار.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في الخطاب.
فأردوغان لا يطرح نفسه فقط بوصفه رئيساً لتركيا، وإنما يحاول أن يضع تركيا في موقع سياسي يتجاوز حدودها الوطنية، عبر الحديث باسم مساحة أوسع من الدول والشعوب التي ترى أن بنية النظام الدولي الحالية لا تعكس حقيقة التوازنات السكانية والجغرافية والسياسية في العالم.
لماذا يمثل هذا الخطاب تحدياً للنظام القائم؟
هذه الكلمات تمس قضية شديدة الأهمية، لأنها لا تتعامل فقط مع قضية سياسية محددة، بل تلامس بنية النظام الدولي نفسه.
عندما يقول أردوغان إن «العالم أكبر من خمسة»، فإنه يتحدى بصورة مباشرة منطقاً دولياً قائماً منذ عقود، يقوم على امتلاك خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن أدوات استثنائية للتأثير في القرارات الدولية.
ومن هنا، فإن الدور الذي يحاول أردوغان الاضطلاع به ليس مجرد دور خطابي أو رمزي.
إنه يحاول بناء موقع سياسي لتركيا داخل النقاش العالمي حول مستقبل النظام الدولي، وتوسيع هامش حركتها من دولة إقليمية مؤثرة إلى دولة تريد أن يكون لها صوت في النقاش المتعلق بإعادة تشكيل قواعد النظام العالمي.
والأهم من ذلك أن هذا الطرح، في رؤية أردوغان، لا يقوم على الخطاب وحده، وإنما يستند أيضاً إلى وجود دعم واهتمام به داخل مساحات مختلفة من العالم.
مشهد التصفيق… والدلالة السياسية
أثناء إلقاء أردوغان كلمته، وقف عدد من الحاضرين وصفقوا له، وكانت القاعة مكتظة، كما بدا الاهتمام بخطابه واضحاً.
وهنا يجب التمييز بين التصفيق بوصفه مشهداً بروتوكولياً وبين دلالته السياسية الأوسع.
فالمشهد، في حد ذاته، يعكس أن الخطاب الذي يقدمه أردوغان حول النظام الدولي، وتمثيل الدول والشعوب، والعالم الإسلامي، وإعادة النظر في آليات صناعة القرار الدولي، يجد آذاناً مستعدة للاستماع إليه داخل هذا الفضاء الدولي.
وبالتالي، فإن أهمية المشهد لا تكمن فقط في عدد من وقفوا وصفقوا، وإنما في حقيقة أن أردوغان بات يمتلك منصة دولية يستطيع من خلالها طرح رؤيته للنظام العالمي بصورة مباشرة أمام ممثلي الدول.
المعارضة التركية أمام واقع مختلف
وهنا تبرز نقطة أخرى تتعلق بالداخل التركي.
من المفترض أن تدرك المعارضة التركية أيضاً هذا التحول في طبيعة الحضور السياسي لأردوغان.
ففي الوقت الذي تنشغل فيه السياسة التركية الداخلية بالسؤال حول مستقبل أردوغان ومرحلة حكمه وما إذا كان قد وصل إلى نهايتها، كان أردوغان يفتح لنفسه مساراً مختلفاً تماماً خارج الحدود التركية.
لقد بدأ يبني لنفسه مساحة على المنبر العالمي، وعلى المستوى الدولي، من خلال خطاب يتجاوز القضايا التركية الداخلية، ويتناول شكل النظام الدولي ومستقبل المؤسسات الدولية وتمثيل الشعوب والدول.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد «خطاب أردوغان».
إنها تتعلق بتحول محتمل في طبيعة الدور الذي يحاول تقديمه لنفسه ولتركيا في البيئة الدولية.
أردوغان… من زعيم تركي إلى صاحب حضور عالمي
لم يعد من الممكن، في قراءة المشهد، التعامل مع خطاب «العالم أكبر من خمسة» باعتباره مجرد شعار سياسي محلي.
فهذا الشعار أصبح جزءاً من هوية خطابية وسياسية يقدم بها أردوغان نفسه على المنبر الدولي.
وعندما يجتمع هذا الخطاب مع الحضور الدولي، والاهتمام الذي يحظى به، والموقع الجغرافي والسياسي لتركيا، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً: أردوغان يحاول تقديم نفسه بوصفه قائداً ذا حضور عالمي، وليس فقط زعيماً سياسياً داخل تركيا.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة.
في الوقت الذي تنشغل فيه تركيا بمناقشة قضايا داخلية مثل مستقبل أردوغان، ومستقبل المرحلة السياسية، وما إذا كان «أردوغان قد انتهى»، نجد أن أردوغان يطرح نفسه على الساحة الدولية من زاوية مختلفة تماماً.
الخلاصة: ما الذي قد نكون بصدد رؤيته؟
المفارقة الأساسية أن النقاش الداخلي التركي قد يكون منشغلاً أحياناً بسؤال: هل انتهى أردوغان؟
بينما السؤال الذي يفرض نفسه على المستوى الدولي مختلف: إلى أي مدى استطاع أردوغان أن يحول خطابه السياسي إلى حضور دولي مؤثر؟
إن مقولة «العالم أكبر من خمسة» تمثل جوهر هذا التحول؛ فهي تنطلق من انتقاد بنية النظام الدولي الحالية، ومن المطالبة بتمثيل أوسع للدول والشعوب، ولا سيما العالم الإسلامي والهند وأمريكا اللاتينية وغيرها.
وبالتالي، فإن ما شاهدناه في الجمعية العامة للأمم المتحدة لا ينبغي قراءته فقط باعتباره خطاباً لرئيس تركي أمام المجتمع الدولي، وإنما باعتباره استمراراً لمسار سياسي يحاول من خلاله أردوغان الانتقال من التأثير في محيط تركيا الإقليمي إلى التأثير في النقاش العالمي حول شكل النظام الدولي.
وهنا ربما تكون المفارقة الأهم:
بينما كان البعض في تركيا يقول إن «







