الدكتور أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب.. محمود أبو الليل

وزير العدل الذي قال لي: لو طلبتني للشهادة سأشهد
في السابع والعشرين من سبتمبر تحل الذكرى الخامسة عشرة لرحيل المستشار محمود أبو الليل راشد. وبعد خمسة عشر عامًا من الصمت، أجد أن من حق الرجل عليّ أن أبوح بسر ظللت أحمله منذ عام ألفين وخمسة. لا لأستدعي خصومة قديمة، بل لأرد إلى رجل من رجال القضاء بعض ما حفظه هو للعدل، يوم كان الصمت أكثر أمانًا، وكانت كلمة الحق قد تكلّف صاحبها مقعد الوزارة، وربما ما هو أبعد من المقعد.
خرجت يومها من شهور الحبس الاحتياطي على خلفية القضية الملفقة المعروفة بقضية توكيلات حزب الغد. وفي أول جلسة عدت فيها إلى مقعدي بمجلس الشعب، كان المستشار محمود أبو الليل يجلس في الجانب الآخر، فوق مقاعد الوزراء.
لاحظت أنه ينظر إليّ طويلًا. نظرات متكررة لم أفهم معناها في لحظتها. لم تكن نظرة وزير إلى نائب معارض، ولا نظرة خصم إلى خصمه. كان فيها شيء من القلق، وشيء من الأسف، وكلام مؤجل يبحث عن باب يخرج منه.
انتهت الجلسة وخرجت من القاعة، فوجدته قريبًا من الباب، كأنه كان ينتظرني. اقترب مني وسألني مباشرة:
هل أنت غاضب مني بسبب ما جرى في واقعة رفع الحصانة عنك؟
قلت له بلا مواربة: نعم.
قال إن الملف مر بعيدًا عن وزارة العدل، وإنه حين عرف التفاصيل غضب بشدة. لم يكن غضبه من أجلي وحدي، بل من أجل صرح العدالة الذي لم يكن يتمنى أن يتورط بعض المنتسبين إليه في تنفيذ مكيدة سياسية واضحة.
قلت له:
يا معالي الوزير، ما جرى أساء إلى العدل أكثر مما أساء إليّ.
هز رأسه، ثم أخبرني أنه كتب مذكرة إلى رئاسة الجمهورية بالمعنى نفسه، وطالب فيها بإغلاق الملف فورًا وعدم استكمال إحالته إلى المحكمة. وأضاف أن من سلّمه المذكرة ليرفعها، بحكم موقعه في الرئاسة، قال له بوضوح:
ما شأنك بهذا الملف؟ لن أعرض المذكرة لأنني أعرف رد الفعل عليها.
ابتسمت يومها ابتسامة امتزجت فيها السخرية بالأسف. لكن الرجل باغتني بجملة لم تغادر ذاكرتي منذ ذلك اليوم:
لو أحيلت القضية إلى المحكمة وطلبتني للشهادة، فسأحضر. وسأقول إن معلوماتي تؤكد أنها ليست قضية قانونية، بل مكيدة سياسية صغيرة.
كانت جملة كبيرة، لأنها خرجت من وزير يعرف طبيعة النظام الذي يجلس في حكومته، ويعرف ثمن أن يقف شاهدًا إلى جوار معارض أراد ذلك النظام أن يجعله متهمًا.
أحيلت القضية بالفعل. ومع ذلك لم أفكر لحظة في استدعائه. لم أفعلها لأنني كنت أعرف ما قد يتعرض له إن أوفى بوعده. وربما كان امتناعي عن طلب شهادته نوعًا من الوفاء لرجل عرض أن يدفع من موقعه وراحته دفاعًا عن حقيقة لم تكن تخصه شخصيًا.
بقي العرض بيننا. وبقيت الجملة في صدري خمسة عشر عامًا بعد رحيله، حتى صارت أمانة لا يليق أن تبقى حبيسة الصمت.
تلك الواقعة لم تكن استثناءً عابرًا في سيرة محمود أبو الليل. كانت مفتاحًا لفهم الرجل كله. فقد دخل الوزارة قاضيًا، ولم يسمح للوزارة أن تنتزع القاضي من داخله. جلس على مقعد السلطة، لكن المقعد لم يجلس فوق ضميره.
في زمن اشتد فيه الصدام بين السلطة وقضاة الاستقلال، وجد نفسه بين أمر يصدر من أعلى، وقسم قديم يسكن أعماقه. أُحيل المستشاران هشام البسطويسي ومحمود مكي إلى المحاكمة التأديبية بعد كشفهما ما شاب الانتخابات البرلمانية عام ألفين وخمسة.
ثم ذهب أبو الليل، في هدوء ودون استعراض، إلى مستشفى كليوباترا ليزور البسطويسي بعد أزمته القلبية. انحنى على رأسه وقبّله. كانت قبلة إنسان، لكنها بدت في معناها العام اعتذار ضمير عن قرار لم يكن الضمير راضيًا عنه.
لم تمح تلك الزيارة ما وقع، ولم تدّع أنها تمحوه. لكنها كشفت المسافة بين الرجل والكرسي. فالسلطة كانت تريد توقيع الوزير، بينما بقي قلب القاضي منحازًا إلى زملائه وإلى استقلال منصتهم.
وقد أقر لاحقًا بأنه أصدر قرار الإحالة تحت ضغط مباشر. وليس أشق على رجل قضاء من أن يكتشف أن اسمه استُخدم غطاء لقرار لا يطمئن إليه وجدانه.
كان دعمه لمشروع استقلال القضاء، وموافقته على ميزانية مستقلة للقضاة، ورفضه أن تكون نتائج الانتخابات ورقة تمر أولًا على مكاتب الحزب الوطني وأمانة تنظيمه، علامات متتابعة على أن بقاءه في الوزارة صار أصعب من خروجه منها.
وحين غادرها عام ألفين وستة، لم يكن قد انتصر سياسيًا بالمعنى المعتاد، لكنه أنقذ ما هو أبقى من المنصب. أنقذ المسافة الضرورية بين اسمه وبين ما كانت السلطة تريد أن تفعله باسمه.
جاء من بعده من اختار طريقًا آخر في التعامل مع انتفاضة القضاة. وعندها بدا الفرق واضحًا بين وزير يرى القضاء جناحًا تابعًا للسلطة، ووزير ظل يرى السلطة كلها عابرة، بينما يبقى العدل أصل الدولة وسبب احترامها.
كان محمود أبو الليل قد عرف الدولة من أكثر من باب. عمل بالقضاء، وتولى مسؤولية محافظ، ثم حمل حقيبة العدل. لكنه حين اقتربت الرحلة من نهايتها، لم يبحث عن مكان آمن في ذاكرة النظام، بل اختار مكانًا أكثر صعوبة في ذاكرة الناس.
خرج من عزلته بعد ثورة يناير ليطالب باستمرار بث محاكمات مبارك ورموز حكمه، وأعلن رفضه للتعديلات الدستورية في مارس عام ألفين وأحد عشر، محذرًا من أن الالتفاف على الثورة أو إحياء دستور مات قد يصنع للبلاد استبدادًا جديدًا.
وحين ظهر حسني مبارك داخل القفص، لم يشمت الرجل الذي عرفه وخدم في عهده. قال:
اللهم لا شماتة.
كانت العبارة تلخص عدلًا لا ينتقم، وإنسانية لا تبرئ، وقلبًا يعرف الفارق بين محاسبة الحاكم وإهانة الإنسان.
في سير رجال السلطة، يسهل أن نجد من دافع عن منصبه، ومن برر بقاءه، ومن زعم بعد الرحيل أنه كان معترضًا في السر. أما محمود أبو الليل، فقد ترك ما هو أثقل من التبرير. ترك مواقف دفع ثمنها وهو في موقعه.
وشهد له رجال القضاء بأنه أدان تزوير الانتخابات وهو وزير للعدل، وساند استقلال القضاء في وقت كانت فيه كلفة الاستقلال معلومة، وحدود المسموح مرسومة بقلم السلطة.
أما شهادتي أنا، فهي هذه اللحظة القصيرة عند باب قاعة مجلس الشعب. وزير يقف في انتظاري، لا ليطلب مني أن أنسى، ولا ليغسل يديه من المسؤولية، بل ليعرض أن يدخل قاعة المحكمة شاهدًا، وأن يقول أمامها إن ما ارتدى ثوب القانون لم يكن سوى مكيدة سياسية.
لم أطلب شهادته يومها. لكنني أقدمها اليوم للتاريخ.
أشهد أن محمود أبو الليل كان يستطيع أن يصمت فتكلم. وكان يستطيع أن يحتمي بالمنصب فانحاز إلى ما بقي فيه من قاض. وكان يعرف أن مقاعد الوزارة لا تدوم، فاختار المقعد الذي لا يزول في محكمة الضمير.
رحل الرجل وبقي عرضه حيًا في ذاكرتي.
وبعض الشهادات لا تُقال داخل قاعات المحاكم. قد يتأخر موعدها خمسة عشر عامًا، لكنها تصل في النهاية إلى القاضي الذي لا يغادر منصته أبدًا.
إلى التاريخ.







