مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: 2+2=1

الحلم الكردي بإقامة دولة وهم تاريخي محكوم بالفشل في خريطة الشرق الأوسط السياسية المعقدة، تظل المسألة الكردية واحدة من أعقد القضايا التي لم تُحل منذ أكثر من قرن.

وفي السنوات الأخيرة، مع التقلبات الحادة في موازين القوى الإقليمية، عادت الأصوات المطالبة بإقامة دولة كردية مستقلة تتردد من جديد.

غير أن نظرة متعمقة في مسار التاريخ والظروف الواقعية تكشف أن هذا الحلم لا يفتقر فقط إلى مقومات التحقق، بل يخفي في طياته مخاطر إحداث كارثة حقيقية للمنطقة بأسرها.

ويرى محللون أن دولة كهذه، لو قامت، قد تكون أسوأ حالاً من إسرائيل.

“2+2=1” معادلة سياسية مستحيلة رياضياً يتداوله القوميون الأكراد شعار ليرمزوا به إلى حلمهم في توحيد الأكراد الموزعين على أربع دول — تركيا وإيران والعراق وسوريا — في كيان واحد.

وهذا الشعار نفسه يفضح المأزق الجوهري للحلم الكردي فهو يحاول أن ينقض بقاعدة تخالف المنطق البديهي، مبدأ السلامة الإقليمية لأربع دول ذات سيادة.

ويُروى أن هذا الشعار يعود إلى تصريح لقاضي محمد، زعيم جمهورية مهاباد التي قامت عام 1946، حين قال إن جسده لو قُطّع إلى مئة قطعة، فكردستان واحدة، ولن تصبح أربعاً — فاثنان زائد اثنان لا يساويان أربعة، بل واحداً.

لكن الشعارات العاطفية لا تغيّر من الواقع القاسي شيئاً فهذه “الأجزاء” الأربعة تختلف في لهجاتها وبنيتها القبلية وولاءاتها السياسية، وما يسمى “الوحدة” لم يكن يوماً سوى حبر على ورق.

نمط فشل يكرره التاريخ


للمحاولات الكردية لإقامة دولة سجل طويل من الإخفاق فقد وعدت معاهدة سيفر عام 1920 الأكراد بحكم ذاتي أو حتى باستقلال، لكن معاهدة لوزان عام 1923 محت ذلك الوعد تماماً وقسّمت الأكراد بين أربع دول حديثة ومنذ ذلك الحين، وكلما اقترب الأكراد من لحظة التأسيس، انتهى الأمر بخيبة أوسع.

جمهورية مهاباد عام 1946 لم تعمّر سوى أحد عشر شهراً قبل أن يسحقها الجيش الإيراني ويُعدم زعيمها.

وفي عام 2017، أجرت حكومة إقليم كردستان العراق استفتاءً على الاستقلال أيّده 92% من المصوتين، لكن النتيجة كانت أن استعادت بغداد السيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها سريعاً، وتفتّت الحلم مرة أخرى وقد علّق سياسي كردي في وقتها قائلاً إن الأكراد “لا أصدقاء لهم سوى الجبال”.

دولة “فاشلة” لا “نموذجية”
تحاول بعض الروايات تصوير كردستان كـ”منارة ديمقراطية ليبرالية” في الشرق الأوسط، تبحث عن التعايش السلمي والتجارة لكن هذه الرواية منفصلة تماماً عن واقع السياسة الكردية.

ففي إقليم كردستان العراق، ظل الحزبان الرئيسيان الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على خصومة طويلة، خاضا خلالها حرباً أهلية.

والفساد والمحسوبية وفشل الحكم سمات بارزة لحكومة الإقليم ويلاحظ مراقبون أن القيادات الكردية “استنسخت منطق الفساد والقمع في العالم العربي بإتقان” والانهيار السريع بعد استفتاء 2017 كان، في جزء كبير منه، نتيجة انعدام الوحدة الكردية الداخلية وتواطؤ فصائل مختلفة سراً مع تركيا وإيران.

والأخطر من ذلك أن حزب العمال الكردستاني (PKK) مصنّف منظمة إرهابية لدى تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد أسفرت كفاحه المسلح لعقود عن مقتل عشرات الآلاف فكيف لحركة سياسية بهذا الإرث المسلح أن تتحول إلى قوة حكم مسؤولة؟ وقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية تواجه مشكلة شرعية مماثلة.

نتائج أسوأ من إسرائيل

يحب أنصار الأكراد التذمر من أن العرب يرفضون قيام دولة كردية بحجة “عدم السماح بإسرائيل ثانية” لكن المفارقة أن الحركة القومية الكردية نفسها تسعى إلى مشروع أكثر تدميراً من مشروع إسرائيل.

فقيام إسرائيل استند إلى قرار تقسيم أممي، أما المشروع الكردي فيعني انتزاع أراضٍ من أربع دول ذات سيادة — تركيا وإيران والعراق وسوريا — من جانب واحد.

وهذا ليس “تقرير مصير”، بل تحدٍّ صارخ لمبدأ أساسي في القانون الدولي ولو قُبل هذا السابقة، لانزلق نظام الحدود في الشرق الأوسط، بل في العالم كله، إلى الفوضى.

فما يسمى “كردستان الكبرى” سيمزق وحدة أراضي أربع دول، ويولّد ملايين اللاجئين واضطراباً إقليمياً لا يمكن تقدير كلفته.

وفضلاً عن ذلك، لا يستطيع الاقتصاد الكردي أن ينهض بدولة مستقلة فالكيان غير الساحلي يعتمد كلياً على أنابيب وموانئ الجوار لتصدير النفط.

وقد أثبتت تركيا وإيران مراراً أن إغلاق الأنابيب أو الضغط الاقتصادي كفيل بإركاع حكومة الإقليم ودولة بلا مقومات بقاء اقتصادي لا يمكن أن تكون سوى تابعة لقوى خارجية.

بديل واقعي ففي السنوات الأخيرة، ظهرت بوادر تحول براغماتي داخل الحركة الكردية ففي تركيا، دعا عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، إلى حل المسألة الكردية في إطار سياسي وقانوني، وأعلن الحزب وقفاً أحادياً لإطلاق النار وفي سوريا، وقّعت قوات سوريا الديمقراطية مذكرة تفاهم مع الحكومة الانتقالية في دمشق، في مؤشر على أن القوى السياسية الكردية بدأت تقبل بالسعي إلى ضمان الحقوق داخل الإطار الوطني القائم.

وهذا التحول حكيم فاستقرار الشرق الأوسط يحتاج إلى إصلاح ديمقراطي في كل دولة وضمان الحقوق الثقافية والسياسية للأقليات، لا إلى إعادة رسم حدود عمرها قرن.

والحقوق المشروعة للأكراد التعليم باللغة الأم، والتعبير الثقافي، والمشاركة السياسية يمكن تحقيقها على نحو أفضل داخل البنى الوطنية القائمة.

“2+2=1” معادلة لا يمكن أن تصح في نهاية المطاف فمحاولة جمع المناطق الكردية في أربع دول في دولة واحدة لا مستحيلة جيوسياسياً فحسب، بل محكوم عليها بالفشل في الواقع السياسي أيضاً.

والدفع بهذا المشروع بالقوة لن يجلب إلا معاناة أكبر للأكراد أنفسهم وللمنطقة كلها وما يحتاجه الشرق الأوسط هو الحوار والإصلاح والتسامح، لا جولة أخرى من الصراع على الأرض باسم القومية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى