شباك نورمقالات وآراء

د. عبد الفتاح طوقان يكتب: جمال عبد الناصر بين مشروع التحرر وأخطاء التجربة

يصادف يوم 28 سبتمبر يومًا ودّعت فيه الأمة العربية قائدًا وزعيمًا جماهيريًا وإنسانًا وطنيًا منتميًا إلى أمته ووطنه العربي من المحيط إلى الخليج. وفي هذا اليوم تستذكر الأمة العربية ذلك اليوم الحزين الذي غطّت سماء الوطن العربي فيه سحابة سوداء، ولا تزال آثارها باقية ومؤلمة إلى يومنا هذا.

لذلك نستذكر معًا ما قام به جمال عبد الناصر، دون التقليل من الأخطاء التي وقعت في عهده، أو من التجاوزات التي مارسها بعض الضباط الأحرار وأضرّت بمصر. لكن، في المجمل، كان عبد الناصر أول من فتح وحفر ورصف طريق الحرية والإخلاص والخلاص من المستعمر وزبانيته، ثم سلّم الطريق إلى من جاء بعده؛ فمنهم من أساء استخدامه، ومنهم من لم يكن صالحًا للسير فيه. ولذلك لا يتحمل ناصر وحده كل ما أصاب البلاد، بقدر المسؤولية التي يتحملها من خلفه. فقد كان المبادر والشجاع، بينما كان غيره خانعًا ومستسلمًا.

كان جمال عبد الناصر أحد أبرز قادة ثورة 23 يوليو 1952، التي أنهت النظام الملكي وأسست الجمهورية المصرية، ووضعت حدًا لنفوذ الاحتلال البريطاني وسيطرة الإقطاع ورأس المال الأجنبي. وقد مثّلت الثورة نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر والمنطقة العربية، إذ رفعت شعارات الاستقلال والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية.

ومن أبرز إنجازات عبد الناصر إصدار قانون الإصلاح الزراعي، الذي حدّ من نفوذ كبار ملاك الأراضي، ومنح الفلاحين فرصًا أفضل للملكية والحياة الكريمة. كما عمل على توسيع قاعدة التعليم، وإقرار مجانية التعليم، ففتح أبواب المدارس والجامعات أمام أبناء الفقراء والعمال والفلاحين، وأتاح لهم الوصول إلى الوظائف والمواقع التي كانت حكرًا على طبقات محددة.

وفي المجال الاقتصادي، تبنّى عبد الناصر مشروعًا صناعيًا واسعًا، شمل مصانع الحديد والصلب والغزل والنسيج والأسمدة والصناعات الهندسية، وأسهم في بناء قطاع عام وفر فرص العمل وحقق قدرًا من الاستقلال الاقتصادي. كما كان قرار تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 من أعظم قراراته، إذ أعاد لمصر سيادتها على أهم ممر مائي في العالم، وحوّل العدوان الثلاثي إلى انتصار سياسي وإرادة وطنية أربكت القوى الاستعمارية.

وكان بناء السد العالي مشروعًا استراتيجيًا عظيمًا، أسهم في حماية مصر من أخطار الفيضانات والجفاف، وتوفير الكهرباء، وزيادة الرقعة الزراعية. ومع ذلك، ترتبت عليه آثار اجتماعية وبيئية، من بينها تهجير أبناء النوبة من قراهم التاريخية، وهي قضية ينبغي الاعتراف بها وعدم تجاهلها.

وعلى الصعيد العربي والدولي، دعم عبد الناصر حركات التحرر في الجزائر وإفريقيا واليمن، وساند قضايا الاستقلال والعدالة، وأسهم في تأسيس حركة عدم الانحياز. وتحولت القاهرة في عهده إلى مركز سياسي وإعلامي مؤثر، وأصبح عبد الناصر رمزًا للتحرر العربي ومقاومة الاستعمار.

لكن هذه التجربة لم تخلُ من الأخطاء. فقد أُلغيت الأحزاب السياسية، وتراجعت الحياة الديمقراطية، وتركزت السلطة في يد الدولة والتنظيم الواحد. كما شهد عهده اعتقالات وممارسات قمعية طالت معارضين من اتجاهات مختلفة، وسمحت مركزية الحكم بتجاوزات ارتكبتها بعض الأجهزة وبعض الضباط الأحرار.

ولم يكن جميع الضباط الأحرار على درجة واحدة من النزاهة والكفاءة؛ فقد دخل بعضهم في صراعات على النفوذ، واستغل بعضهم السلطة لتحقيق مصالح شخصية، وتدخل آخرون في الاقتصاد والإعلام والقضاء دون رقابة حقيقية. ولا يصح تحميل عبد الناصر كل هذه التجاوزات، لكنه يتحمل مسؤولية سياسية باعتباره القائد الأعلى وصاحب القرار النهائي.

كما كان التدخل العسكري المصري في اليمن مكلفًا بشريًا وماليًا، وأسهم في استنزاف الجيش قبل هزيمة يونيو 1967. وكانت تلك الهزيمة كارثة عسكرية وسياسية كبرى، فقدت مصر خلالها سيناء، وانكسرت صورة الجيش والنظام. ومع ذلك، بدأ عبد الناصر بعد الهزيمة إعادة بناء القوات المسلحة، وقادت هذه الجهود إلى حرب الاستنزاف، ثم إلى انتصار أكتوبر 1973.

ومن المواقف التي تكشف تبدّل الخطاب السياسي ما كتبه أنور السادات عن عبد الناصر. ففي عهده ألّف كتابه المعروف “يا ولدي هذا عمك جمال “وقدّم فيه عبد الناصر بوصفه قائدًا وطنيًا وصديقًا عزيزًا، وروّج لصورة إيجابية عن الثورة وزعيمها، حتى قيل إن الكتاب أُقرّ ضمن المناهج التعليمية ودُرّس لتلاميذ الصف السادس الابتدائي. ثم، بعد وفاة عبد الناصر وتولي السادات رئاسة الجمهورية، سُحب الكتاب، وكتب السادات مذكراته “البحث عن الذات” التي هاجم فيها جوانب واسعة من عهد عبد الناصر، مخالفًا بذلك الصورة التي رسمها له في كتابه الأول. ويرى كثيرون أن هذا التحول يعكس نفاقًا سياسيًا وإعادة صياغة للتاريخ بما يخدم المرحلة الجديدة.

رحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، لكنه ترك فراغًا كبيرًا لم يملأه أحد إلى يومنا هذا. فقد كان وطنيًا حتى العظم، ومبادرًا وشجاعًا، وشخصية تاريخية استثنائية لن تتكرر. وستبقى تجربته، بما لها وما عليها، جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر والأمة العربية، وسيظل اسمه حاضرًا في وجدان الملايين بوصفه قائدًا دافع عن الحرية والكرامة والاستقلال.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى