
الجذور الاولى الإقطاع العسكري والتنموي لدى البويهيين والسلاجقه..
تخطئ القراءات السطحية للتاريخ عندما يظن البعض أن تخصيص الأراضي أو ما عُرف تاريخيًا بـ “نظام الإقطاع” بدأ مع الأيوبيين.
الحقيقة أن الدولة البويهية (في القرن العاشر الميلادي) كانت أول من وضع اللبنات الأولى للإقطاع العسكري الممنهج نتيجة شح السيولة النقدية في الخزانة المركزية. ثم جاءت الدولة السلجوقية لتُحدث ثورة إدارية على يد وزيرها العبقري نظام الملك، الذي نظّم “الإقطاع السلجوقي” وحوّله من مجرد وسيلة لدفع الرواتب إلى أداة للتنمية الشاملة وتأمين حدود الدولة المترامية في هذا النظام، فلم يكن صاحب الإقطاع مالكًا للأرض، بل كان “مستثمرًا ومسؤولاً تنفيذيًا” مفوضًا من الدولة؛ يلتزم باستصلاحها، وحماية طرق التجارة فيها، وتقديم الدعم العسكري للدولة من ريعها، وهو تماماً ما يماثل فكرة إسناد الأراضي لجهات قادرة على الإدارة والتأمين في عصرنا الحالي.
العصر الذهبي: العبقرية الأيوبية والتنظيم المملوكي في مصر
عندما انتقل هذا النظام إلى مصر، طوّره السلطان صلاح الدين الأيوبي لمواجهة التهديد الصليبي الجسيم. قام صلاح الدين بإعادة توزيع أراضي مصر الشاسعة على أمراء جيشه، ليس بغرض الاحتكار، بل لتحقيق التمويل الذاتي للدفاع والتنمية.ثم بلغ النظام ذروته في العصر المملوكي عبر ما عُرف بـ “الروك” (مسح الأراضي وتقييمها).
فتحول المماليك بالأرض إلى قاطرة اقتصادية؛ فكان الأمير المملوكي ملزمًا بحفر الترع، وإقامة الجسور، وتعمير القرى الواقعة في إقطاعه. وبفضل هذا التخصيص الذكي للموارد، امتلكت الدولة المملوكية القوة الاقتصادية والعسكرية لدحر التتار والصليبيين معًا، وتمويل أضخم حركة عمران وتجارة شهدها العالم الإسلامي في العصور الوسطى.
العصر الحالي: الطفرة العمرانية كخط دفاع أول (مجموعة طلعت مصطفى نموذجاً) ومجموعة العبار غيرهم من الشركات العملاقه العامله في محالي العقار والزراعه ..
إذا أسقطنا هذه الفلسفة التاريخية على مصر الحديثة، نجد أن الدولة تنتهج السياسة ذاتها ولكن بأدوات العصر. ففي النشاط العمراني، واجهت مصر تحدي الانفجار السكاني وحصار الوادي الضيق. وهنا جاءت صحة قرار الدولة بتخصيص مساحات ضخمة من الأراضي الصحراوية لشركات التطوير العقاري الكبرى والجهات الوطنية.وتبرز هنا مجموعة طلعت مصطفى كنموذج وطني رائد في تحويل الصحراء المجدبة إلى مدن عالمية تنبض بالحياة؛ بدءاً من “رحاب” و”مدينتي” وصولاً إلى مشروع “نور” و” سيليا والساحل الشمالي ،حيث نجحت المجموعة عبر شراكات استراتيجية مع الدولة في جذب استثمارات ضخمة تخطت مئات المليارات من الجنيهات. هذه السياسة حققت مكاسب استراتيجية هائلة: فاسهمت في تمويل المدن الجديدة ذاتيًا بدلاً من تحميل موازنة الدولة أعباء بناء مدن الجيل الرابع (كالعاصمة الإدارية، والعلمين الجديدة، وشرق بورسعيد)، فيقوم المستثمرون والشركات الكبرى بضخ الاستثمارات لتطوير هذه الأراضي وتحويل الصحراء إلى مراكز جذب سكاني واستثماري.لتخفيف التكدس وتوفير ملايين فرص العمل: فتحول قطاع التشييد والبناء إلى المحرك الأساسي للاقتصاد المصري، مما استوعب ملايين الأيدي العاملة وحمى المجتمع من البطالة..
قطاع الاستصلاح الزراعي: تأمين الغذاء ، فلا يتوقف الوعي الاستراتيجي عند العمران البشري، بل يمتد بقوة إلى النشاط الزراعي.
إن مشروعات عملاقة مثل “الدلتا الجديدة”، و”توشكى الخير”، واستصلاح أراضي وسط سيناء، تتطلب استثمارات فلكية وبنية تحتية عملاقة من شبكات ري وطرق ومحطات معالجة مياه لا تقوى عليها الميزانيات التقليدية. هنا يبرز الدور المحوري لـ جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، كذراع وطنية استراتيجية تقود قاطرة الأمن الغذائي.
يستهدف هذا المشروع القومي العملاق استصلاح وتنمية نحو 4.5 مليون فدان بحلول عام 2028، وهو ما يعادل ما يقترب من نصف المساحة المنزرعة تاريخياً في مصر. فتخصيص هذه المساحات الشاسعة لهذه الجهة الوطنية المؤهلة هو السبيل الوحيد والمنهج الصحيح لتحقيق الأمن الغذائي، حيث نجح الجهاز في:تطبيق تكنولوجيا الزراعة الحديثة والري المطور لترشيد المياه.تحقيق إنتاجية ضخمة تسهم في تأمين السلع الاستراتيجية كالقمح والذرة والزيت، والتمور والخضروات والفاكهه والحد من الفاتورة الاستيرادية المرهقة للاقتصاد.
وتحويل المناطق الحدودية والصحراوية إلى مناطق مأهولة بالبشر والنشاط الاقتصادي..
دور القوات المسلحة والجهات الوطنية في سرعة التنفيذ والتأميني لهذا المشهد التنموي المعقد، فتلعب القوات المسلحة المصرية والجهات الوطنية دوراً يشبه إلى حد كبير الدور التنموي والأمني الذي كان يقوم به قادة الجند في العصور الأيوبية والمملوكية، ولكن برؤية مؤسسية حديثة. تتميز هذه الجهات بـ الإنضباط الصارم، والسرعة الفائقة في الإنجاز، والقدرة على إدارة المشروعات القومية العملاقة في ظروف بيئية وجغرافية قاسية.
إن إشراف القوات المسلحة على شق الترع العملاقة (مثل نهر الدلتا الجديدة الاصطناعي بطول 114 كم)، وبناء محطات معالجة المياه الأكبر عالمياً (مثل محطة بحر البقر ومحطة الدلتا الجديدة)، وانشاء الطرق والمحاور الجديده يضمن حماية هذه الاستثمارات وتأمينها كأصول استراتيجية تمس الأمن القومي مباشرة، ويقطع الطريق أمام أي تهديدات أمنية أو تخريبية في المناطق الصحراوية والحدودية.
المقارنة التاريخية:
التزامات المستثمر المعاصر وأمراء العصور السابقه ويوضح التاريخ كيف تتقاطع أهداف الدولة عبر العصور في تخصيص الأراضي، وتحول الالتزامات من الطابع العسكري القديم إلى الطابع التنموي والاقتصادي الحديث.
وجه المقارنةأمراء العصور السابقة (البويهيين، السلاجقة، الأيوبيين، المماليك)المستثمر والجهات الوطنية في العصر الحالي (طلعت مصطفى، مستقبل مصر)طبيعة التخصيص في العصور السابقه كان يقوم على حيازة أو استغلال (الأرض وتظل الارض ملكاً لبيت المال).
وفي العصر الحالي يتم تخصيص استثماري (حق انتفاع، أو تملك مشروط بجدية التنفيذ وسداد القيمة).
وفي العصور السابقه كان الهدف الالتزام العمراني والتنموي بحفر الترع، وإقامة الجسور، وتعمير القرى التابعة للإقطاع لضمان الالتزام المالي للتمويل الذاتي للجنود والسلاح وتخفيف العبء المالي عن خزينة السلطان المركزية.
وفي عصرنا الحالي ضخ رؤوس أموال ضخمة وضمان التدفقات النقدية دون تحميل الموازنة العامة للدولة أعباء إضافية.
وقد استهدف حكام مصر السابقين البعد الأمني والقومي للدفاع العسكري المباشر عن الإقليم ضد الغزاة (التتار والصليبيين) وحفظ الأمن الداخلي.
وفي عصرنا الحديث تسعى الدوله تحقيق الأمن الغذائي (القمح والسلع الاستراتيجية)، وتأمين الحدود عبر التعمير البشري والنمو الاقتصادي. العائد عل المواطنين بالخير وذلك بتنشيط حركة التجارة الداخلية وبناء المدن والتوسع العمراني والزراعي افقياً وبناء والمساجد وتوفير ملايين فرص العمل للشباب، ودفع الضرائب، وتنشيط قطاعات الصناعة والمقاولات الوطنية.
إن الانتقادات الموجهة لسياسة الدولة المصرية في تخصيص الأراضي تنبع من عدم إدراك لمتطلبات بناء الدول وحماية الأمن القومي. فالتاريخ يثبت من أيام البويهيين والسلاجقة، وصولاً للأيوبيين والمماليك، أن الأرض المتروكة فراغاً هي عبء وتهديد، وأن الدولة الذكية هي التي تُشرك القوى الاقتصادية والتنفيذية الفاعلة لتوليد الثروة وتعمير الفضاء. وما تفعله مصر اليوم في ملفي العمران والزراعة عبر كيانات وطنية عملاقة وبإشراف ومتابعة دقيقة من مؤسساتها العسكرية والتنفيذية هو تطبيق متطور ومصيب لهذه الحكمة التاريخية: فتحويل الصحراء الممتدة إلى قلاع عمرانية وسلات غذاء تؤمن مستقبل الأجيال القادمة…







