262 صحفيًا فلسطينيًا قُتلوا خلال الحرب ومطالب بتحويل التضامن الدولي إلى حماية ومساءلة

دفع الصحفيون الفلسطينيون أثمانًا باهظة خلال سنوات الحرب، وسط سقوط مئات القتلى والجرحى واعتقال العشرات وتضرر البنية التحتية الإعلامية، في وقت تتصاعد فيه مطالبات بتحويل التضامن الدولي مع الصحفي الفلسطيني من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية توفر الحماية وتضمن المساءلة.
وبالتزامن مع اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني، الذي يوافق 26 سبتمبر من كل عام، تشير الأرقام الواردة في التقرير إلى مقتل نحو 262 صحفيًا وإصابة أكثر من 400 آخرين بجروح متفاوتة، إلى جانب اعتقال قرابة 140 صحفيًا، لا يزال 39 منهم داخل السجون حتى الآن.
ويرى مختصون في الشأنين الإعلامي والحقوقي أن حجم المخاطر التي واجهها الصحفيون الفلسطينيون خلال الحرب تجاوز حدود العمل الصحفي التقليدي، في ظل تعرضهم للقصف والملاحقة والاعتقال، إلى جانب تضرر مقار ومؤسسات إعلامية.
وطالب المختصون بألا يقتصر التضامن الدولي على بيانات الإدانة، داعين إلى إجراءات قانونية وميدانية توفر الحماية للصحفيين، وتحقق في الانتهاكات التي يتعرضون لها، وتساعدهم على مواصلة عملهم في ظروف أكثر أمانًا.
الصحفي بين نقل الحدث ومعايشته
وقال الصحفي والمحاضر الجامعي عماد الأفرنجي إن تجربة الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة أعادت تعريف مفهوم «الصحافة الحربية»، بعدما أصبح الصحفي ناقلًا للحدث وشاهدًا عليه وفي الوقت نفسه جزءًا من تداعياته.
وأوضح الأفرنجي، وهو أسير محرر اعتقلته القوات الإسرائيلية خلال الحرب، أن العمل الصحفي في غزة لم يعد مجرد وظيفة، وإنما تحول إلى رسالة مهنية وإنسانية يؤديها الصحفي وسط ظروف استثنائية.
وأضاف أن صحفيي غزة وجدوا أنفسهم يقومون بمهام المراسلين الحربيين دون توفر المتطلبات الأساسية لهذا النوع من العمل، سواء من حيث التدريب أو معدات الحماية أو التأمين، بالتزامن مع مسؤوليتهم تجاه عائلاتهم التي تواجه النزوح ونقص الغذاء والمخاطر الأمنية.
وأشار إلى أن الحرب ألغت عمليًا الحدود بين الحياة الشخصية والعمل المهني، موضحًا أن بعض الصحفيين غطوا أخبار قصف منازل قبل أن يكتشفوا أنها تعود إليهم أو إلى أقاربهم وجيرانهم، ومع ذلك استمروا في التغطية رغم الفقد والضغوط النفسية.
ودعا الأفرنجي المجتمع الصحفي الدولي إلى تجاوز بيانات التضامن نحو تفعيل المواثيق الدولية الخاصة بحماية الصحفيين ومنع استهدافهم وعائلاتهم ومقار عملهم، إلى جانب التحرك القانوني للتحقيق في الانتهاكات وملاحقة المسؤولين عنها.
كما طالب بتكثيف الجهود لإدخال الطواقم الصحفية الأجنبية إلى غزة وكسر العزل الإعلامي، وتوفير دعم لوجستي للصحفيين يشمل الخوذ والدروع الواقية وأجهزة الاتصال عبر الأقمار الصناعية، وإنشاء مراكز صحفية آمنة تتوفر فيها الكهرباء والإنترنت.
وشدد على ضرورة تقديم الدعم المالي والإغاثي والنفسي للصحفيين وعائلاتهم، وتوفير المساندة القانونية والمالية للمعتقلين، وتأمين علاج الجرحى والمرضى في الخارج، فضلًا عن توسيع إعادة نشر التقارير الفلسطينية عبر شبكات الإعلام العربية والدولية.
39 صحفيًا داخل السجون
من جانبه، قال المختص في شؤون الأسرى حسن عبد ربه إن الصحفيين الفلسطينيين تعرضوا لحملات اعتقال وملاحقة بسبب نشاطهم المهني والمجتمعي.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، يبلغ عدد الصحفيين والصحفيات المعتقلين في السجون الإسرائيلية حاليًا 39، بينهم خمس صحفيات، فيما يخضع 21 منهم للاعتقال الإداري دون محاكمة أو توجيه لائحة اتهام علنية.
وأشار عبد ربه إلى أن مؤسسات الأسرى وثقت أكثر من 250 حالة اعتقال واحتجاز في صفوف الصحفيين منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.
ولفت إلى اعتقال الصحفي علاء الريماوي فجر 17 سبتمبر الجاري، بعد أقل من عام على الإفراج عنه، وبعد إطلاقه مبادرة اجتماعية واسعة في الرابع من الشهر ذاته، معتبرًا الواقعة أحدث حلقات ملاحقة الصحفيين.
وأضاف أن الصحفيين المعتقلين يواجهون ظروفًا مماثلة لآلاف المعتقلين الفلسطينيين، تشمل، بحسب شهادات وتقارير حقوقية أشار إليها، الحرمان من الرعاية الصحية ونقص الغذاء وسوء المعاملة والعنف.
مطالب بتحقيقات مستقلة ومساءلة قانونية
وأكد رئيس مجلس جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان أنور الغربي أن التضامن مع الصحفيين الفلسطينيين يحتاج إلى خطوات قانونية ملموسة توفر الحماية وتضمن المساءلة، محملًا الأمم المتحدة والمنظمات الدولية مسؤولية خاصة في هذا الملف.
وأشار إلى أن المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تقر حماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين ما داموا لا يشاركون في الأعمال العدائية، كما تناول قرار مجلس الأمن رقم 2222 لعام 2015 مسألة حماية الصحفيين ومكافحة الإفلات من العقاب عن الانتهاكات المرتكبة بحقهم.
واعتبر الغربي أن استمرار الاكتفاء ببيانات الإدانة والتعبير عن القلق لا يحقق الحماية المطلوبة، داعيًا إلى إجراء تحقيقات مستقلة وجمع الأدلة وتحديد المسؤوليات الجنائية الفردية عن الانتهاكات.
وأشار إلى أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يدرج تعمد توجيه الهجمات ضد المدنيين ضمن جرائم الحرب، معتبرًا أن امتداد ولاية المحكمة إلى الأراضي الفلسطينية يتيح الاستفادة من آليات العدالة الجنائية الدولية.
كما دعا النقابات والاتحادات الصحفية الدولية إلى إنشاء مسار قانوني متكامل بشأن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون الفلسطينيون.
وأكد أنور الغربي أن «التضامن الذي لا يحمي الصحفي، ولا يحقق في قتله، ولا يتحرك من أجل المعتقل، سيظل منقوصًا»، معتبرًا أن الاختبار الحقيقي للمؤسسات الدولية يتمثل في قدرتها على تحويل النصوص والالتزامات القانونية إلى حماية ومساءلة فعلية على الأرض.







