أفريل هينز تحذر من حرب عالمية ثالثة وتنتقد قرار الحرب على إيران.. ماذا تكشف مديرة الاستخبارات الأميركية السابقة عن العالم الذي يتشكل؟

لم تكن تصريحات أفريل هينز (Avril Haines) في حوارها الأخير مع صحيفة Financial Times مجرد قراءة عابرة للتحولات الجيوسياسية. فالمتحدثة هي واحدة من أكثر الشخصيات اطلاعاً على طريقة صناعة القرار في منظومة الأمن القومي الأميركية خلال العقدين الأخيرين؛ محامية تولت مواقع عليا في إدارة باراك أوباما، بينها منصب نائبة مستشار الأمن القومي الرئيسية ونائبة مدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA، ثم أصبحت في كانون الثاني 2021 مديرة للاستخبارات الوطنية في إدارة جو بايدن، وقادت مجتمع الاستخبارات الأميركي حتى عام 2025. كما ستتولى في 28 أيلول الجاري رئاسة مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
وفي مقابلتها المنشورة في 25 أيلول، طرحت هينز صورة قاتمة لنظام دولي يتآكل، وحذرت من أن خطر الصدام بين القوى الكبرى لم يعد مجرد سيناريو بعيد. وعندما سُئلت عما إذا كان العالم يتجه نحو حرب عالمية ثالثة، أجابت بوضوح: «أعتقد أن ذلك سيناريو معقول، إذا لم نتمكن من معرفة كيفية تطوير هيكل يدير الصراع».
حرب عالمية ثالثة.. الخطر في انهيار آليات الضبط
المغزى الأهم في كلام هينز ليس أنها تتوقع اندلاع حرب عالمية ثالثة، وإنما أنها ترى أن احتمالها أصبح قابلاً للتصور في ظل ضعف الهياكل القادرة على إدارة الصراعات.
ووفق ما نقلته المصادر، فإن مخاوفها ترتبط بتراكم أزمات عدة: صراعات دولية متزايدة، تراجع قدرة المؤسسات الدولية على إدارة الأزمات، تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
وفق هذا المنظور، الخطورة ليست في وجود أزمة واحدة قادرة وحدها على إشعال حرب عالمية، بل في تآكل الحواجز السياسية والمؤسسية التي كانت تحول دون انتقال الأزمات من مستوى إلى آخر.
أوكرانيا.. ماذا كانت الاستخبارات الأميركية تخشى من بوتين؟
في الملف الروسي–الأوكراني، كشفت هينز عن جانب بالغ الحساسية من التقديرات الاستخبارية الأميركية خلال الحرب.
فبحسب ما نقلته المصادر، كانت الولايات المتحدة ترى أن التهديدات النووية الروسية استُخدمت لترهيب الولايات المتحدة وحلفائها، لكنها كانت تعتقد في الوقت نفسه أن بعض الشخصيات داخل النظام الروسي كانت تضغط باتجاه استخدام السلاح النووي فعلياً.
والأكثر إثارة أن السيناريوهات التي كانت محل دراسة لم تقتصر على هجوم نووي استراتيجي واسع؛ إذ شملت، وفق هينز، احتمالات مثل تفجير سلاح نووي في الغلاف الجوي أو استخدام سلاح نووي صغير في ساحة المعركة.
هذه النقطة تحديداً تجعل حديث هينز أكثر أهمية، لأنها تشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تكن تتعامل مع التهديد النووي الروسي بوصفه مجرد خطاب للردع، وإنما درست أيضاً احتمالات انتقال التهديد إلى الاستخدام الفعلي.
هل تهاجم روسيا أوروبا؟
في المقابل، لا تضع هينز هجوماً روسياً على أوروبا في خانة السيناريوهات المرجحة حالياً، لكنها تعتبر احتمال مهاجمة روسيا لأوروبا غير معدوم، لكنه غير مرجح، وترى أن موسكو في ظل البيئة السياسية الحالية ليست بحاجة بالضرورة إلى فتح مواجهة مباشرة مع أوروبا، فضلاً عن أن مثل هذا الهجوم يمكن أن يؤدي إلى نتيجة عكسية عبر إعادة توحيد الحلف الغربي.
غزة وإسرائيل.. ترامب يمتلك أداة لا يملكها الرؤساء التقليديون؟
في ملف غزة، تبدو هينز أكثر حذراً في تقييم إدارة بايدن، ولا تقدم في المادة المتاحة هجوماً مباشراً على قرار بايدن عدم ممارسة ضغط أكبر على إسرائيل.
لكنها تطرح ملاحظة لافتة بشأن دونالد ترامب: عدم قابليته للتوقع يمكن، في بعض الظروف، أن يتحول إلى مصدر نفوذ سياسي.
وبحسب مضمون الحوار، ترى هينز أن ترامب استطاع في بعض الحالات ممارسة تأثير على إسرائيل وأطراف أخرى، لأن الأطراف المعنية لم تكن متأكدة من الخطوة التالية التي يمكن أن يقدم عليها.
وهذه نقطة مهمة لأنها لا تعني أن هينز تقول إن ترامب نجح في إدارة ملف غزة أو إنها تتبنى سياساته؛ بل تناقش أداة الضغط الناتجة عن عدم القدرة على التنبؤ بسلوك الرئيس الأميركي.
إيران.. هينز تصف الحرب بأنها «خطأ استراتيجي»
أما أكثر تصريحات هينز مباشرةً فتتعلق بالحرب الأميركية على إيران.
فوفق المصادر تعتبر هينز دخول الولايات المتحدة الحرب مع إيران «خطأً استراتيجياً»، وترى أن عملية اتخاذ القرار لم تستوعب بالشكل الكافي تقديرات المخاطر التي كانت موجودة داخل مجتمع الأمن القومي الأميركي.
كما تنتقد اعتماد ترامب بدرجة أكبر على حدسه مقارنةً بالخبرة التي تقدمها مؤسسات الأمن القومي.
وبحسب المقابلة فإن المشكلة لم تكن غياب التحذيرات داخل أجهزة الأمن القومي، وإنما أن هذه التحذيرات لم تصل إلى الرئيس بالطريقة التي تسمح له باستيعاب حجم المخاطر قبل اتخاذ القرار.
الاتفاق النووي الإيراني.. درس من حرب اليوم
من أكثر النقاط السياسية أهمية في حديث هينز استدعاؤها للاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.
فهي ترى أن الحرب الحالية تقدم مثالاً على أهمية الدبلوماسية التي قادت إلى الاتفاق النووي، وأن دراسة الأمن القومي في المرحلة الراهنة يمكن أن تستخدم الحرب نفسها لتفسير لماذا كانت المفاوضات والاتفاقات الدولية مهمة في احتواء المخاطر النووية الإيرانية.
عالم «ما بعد الدبلوماسية»؟
الرؤية الأوسع التي تقدمها هينز تتجاوز إيران وأوكرانيا، فهي ترى أن النظام الدولي يمر بمرحلة تفكك في قواعده التقليدية، وأن المؤسسات متعددة الأطراف تواجه صعوبات متزايدة في التعامل مع الأزمات، بينما تتعرض التحالفات التقليدية لضغوط وتتصاعد الشعبوية والسياسات القومية.
والأهم أنها لا تعتقد أن التحولات التي أدخلها ترامب على السياسة الخارجية الأميركية ستختفي ببساطة إذا عاد الديمقراطيون إلى البيت الأبيض.
من نظام عالمي واحد إلى شبكات إقليمية؟
في تصور هينز للمستقبل، قد يتجه العالم بعيداً عن نظام دولي مركزي تقوده مؤسسات عالمية قوية، نحو شبكات إقليمية تتعاون داخل مناطقها وتتفاعل مع شبكات أخرى.
لكن هذا السيناريو يحمل خطراً مقابلاً: أن تتحول الشبكات الإقليمية إلى مناطق نفوذ، بحيث تفرض القوى الكبرى إرادتها على الدول الأصغر والمجاورة.
وهذا يعني أن تفكك النظام العالمي القديم لا يؤدي بالضرورة إلى عالم أكثر استقراراً؛ فقد ينتج نظاماً أكثر تجزؤاً، تكون فيه القوة الإقليمية عاملاً أكثر حسماً من القواعد الدولية.
أميركا والصين.. العقدة التي قد تحدد شكل النظام الدولي
وتصل هينز في النهاية إلى العلاقة الأميركية–الصينية بوصفها أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.
وترى هينز ترى أن ترامب أسهم جزئياً في إبقاء العلاقة مع بكين مستقرة، وأنه أقل تشدداً تجاه الصين من بعض أعضاء إدارته، ويركز بدرجة أكبر على المنافسة الاقتصادية والتجارية.
لكنها تحذر في المقابل من أن التركيز على التجارة وحدها قد يغفل جانباً بالغ الأهمية من المنافسة الاستراتيجية: قدرة الصين على السيطرة على سلاسل إمداد عالمية يمكن أن تتحول إلى مصدر نفوذ على الولايات المتحدة وحلفائها.
كما طرحت هينز مخاوف مرتبطة بتايوان؛ ونقلت فايننشال تايمز عنها أن الرئيس الصيني شي جين بينغ متمسك بتحقيق توحيد تايوان، وربما خلال فترة رئاسته، وقد نشر حساب فايننشال تايمز نفسه هذا الاقتباس.
صحّح التكرارات والأخطاء اللغويةوحّد الإسناد واحذف التناقضات التحريريةاختصر التمهيد وابدأ بالخبر الأهم







