الدكتور أيمن نور يكتب: عندما يصافح التاريخ الإبداع تولد الحكايات.. زاوية يحيى أفندي لا تكفي زيارة واحدة

هناك أماكن لا نزورها فقط بل نستعيد فيها صلتنا بالزمن. أماكن تدخلها وفي ذهنك غاية محددة ثم تخرج منها وقد اتسعت الغاية وكثرت الأسئلة وأصبحت الرحلة أكبر من سبب بدايتها. هكذا ذهبت بالأمس إلى زاوية يحيى أفندي أبحث عن عبدالله النديم وما زلت حتى هذه اللحظة أهيم في فضائها التاريخي والمعرفي كأنني لم أغادره بعد.
ذهبت أبحث عن قبر واحد بين ألفين ومئة وواحد وأربعين شاهدا فاكتشفت أن كل شاهد تقريبا يفتح بابا وأن كل باب يقود إلى زمن. المكان الذي حسبته محطة في رحلة البحث عن النديم يصلح وحده لرحلات من البحث والكتابة. هنا لا تقرأ التاريخ في كتاب. تمشي داخله.
وفي الصور تبدو غابة الشواهد العثمانية أكثر بلاغة من الوصف. شاهد تعلوه عمامة حجرية وآخر يزدحم بالخط والزخارف وثالث تقاوم حروفه قرونا من المطر والريح. كنت أتأملها وأفكر في المفارقة التي بدأت منها رحلتنا كلها. قبل عشر سنوات خدعني توقيع خطاط يحمل اسم «النديم» فظننته قبر الرجل الذي أبحث عنه. واليوم أصبحت تلك الخديعة نفسها بابا إلى عالم كامل من فنون الشواهد والخط والذاكرة.
هنا يصافح التاريخ الإبداع فعلا. فالشاهد ليس حجرا كتبوا عليه اسم ميت. هو سيرة مختصرة. وخط. وزخرفة. ولقب. ومكانة اجتماعية. وأحيانا مهنة وصلة بالسلطة أو العلم أو التصوف. الموت واحد لكن البشر أصروا حتى في قبورهم على ألا تكون الحكايات متشابهة.
وفي صورة أظنها ستبقى طويلا في ذاكرتي أقف حاملا تمثال عبدالله النديم تحت اللافتة التي تشير إلى «الشيخ يحيى أفندي… الجامع والضريح». فيها مفارقة لا يستطيع الكاتب أن يصنعها لو أراد. رجل يحمل تمثال رجل مات منذ مئة وثلاثين عاما ويدخل به المكان الذي نعرف أن رفاته موجودة فيه لكنه لا يعرف بعد أين يرقد بالتحديد.
شعرت للحظة أنني لم آت بالتمثال إلى المقبرة بل أعدت النديم إلى عنوانه الأخير. حملته كما يحمل المسافر رفيقا تأخر عن موعده قرنا كاملا. وربما لهذا بدت لي الصورة أقرب إلى لقاء مؤجل منها إلى زيارة.
ثم دخلت إلى ضريح يحيى أفندي. تغير الضوء وهدأ الصوت وتبدلت إيقاعات المكان. في الخارج شواهد وأشجار وسماء مفتوحة. وفي الداخل ثريات وكسوة وخشب وزخارف وسكينة تجعل الإنسان يخفض صوته دون أن يطلب منه أحد ذلك.
هناك فهمت شيئا آخر عن المكان. زاوية يحيى أفندي لم تكن مجرد مقبرة نشأت حول رجل صالح. كانت فضاء اجتماعيا وفكريا وروحيا عاش قرونا واقترب من الناس ومن دوائر الدولة معا. وهذا ما يجعل وجود النديم في محيطها أكثر إثارة بالنسبة إلي. فالرجل الذي جاء إلى الآستانة منفيا لم ينته إلى هامش المدينة بل انتهت رحلته في موضع يحمل في ذاكرته أسماء من قلب التاريخ العثماني.
وفي صورة أخرى أقف أمام كتابة عثمانية أشير إلى سطورها كما لو كنت أحاول أن أستوقف الزمن نفسه. أصبحت الكتابة العثمانية بالنسبة إلي في هذه الأيام أكثر من لغة قديمة لا أجيد قراءتها. صارت صندوقا مغلقا أعرف أن بعض مفاتيح حكاية النديم قد تكون داخله. اسم في سجل. أمر دفن. خبر جنازة. مراسلة رسمية. أو سطر صغير يجيب عما نبحث عنه منذ أيام.
لهذا صرت أنظر إلى كل حرف بشيء من الفضول. ربما تكون الوثيقة التي نبحث عنها قريبة إلى هذا الحد ولا ينقصنا إلا أن نعرف كيف نسألها.
وبين الصور مشهد استوقفني طويلا. أقف بين القبور وفي الأفق يظهر جسر البوسفور خلف الأشجار. قبر في المقدمة وجسر في البعيد. ولم أستطع أن أتعامل مع الصورة باعتبارها مصادفة بصرية.
فالجسر هو الصورة التي تطاردني منذ بدأت أقرأ سنوات النديم في الآستانة. كان عبدالله النديم نفسه جسرا. مصريا حتى النخاع لكنه عاش سنواته الأخيرة وسط عالم عثماني من المفكرين ورجال الدولة والصحفيين والمتصوفة. وكان جمال الدين الأفغاني جسرا آخر. كلاهما تحرك بين مدن وثقافات وحدود يحمل فكرة الإصلاح أكبر من جواز السفر.
الموت يفصل والجسر يصل. والمنفى يبعد والذاكرة تعيد. وبين الفعلين نحاول نحن أن ننقذ ما يمكن إنقاذه من الحكايات.
وربما لهذا لم أعد أتعامل مع الألفين ومئة وواحد وأربعين شاهدا بوصفها رقما ضخما يعوق البحث. صرت أراها ألفين ومئة وواحدا وأربعين احتمالا. وكل احتمال نسقطه بالدليل يجعلنا أقرب إلى الرجل.
أمام ضريح يحيى أفندي عاد إلي خاطر آخر. الرجل الذي عاش في القرن السادس عشر لم يعرف النديم والنديم جاء بعده بثلاثة قرون. لكن التاريخ جمعهما في رقعة صغيرة من إسطنبول. الأول صنع للمكان روحه والثاني جاء إليه في نهاية رحلة طويلة من الثورة والمطاردة والمنفى.
وبينهما مر سلاطين ودول وحروب وثورات. تغيرت خرائط وسقطت إمبراطوريات وبقي المكان. وهذه ربما أعظم قدرة للأماكن. البشر يرحلون والسلطات تتغير والخرائط يعاد رسمها لكن حجرا صغيرا قد يحتفظ باسم أكثر مما تحتفظ به دولة كاملة.
لذلك وجدتني أقارن مرة أخرى بين احترام الذاكرة هنا وما نفعله أحيانا بذاكرتنا في مصر. أحجار عمرها قرون بقيت في مواضعها. شواهد تقرأ وترمم وتدرس. بينما يمكن عندنا أن تصبح مقبرة تاريخية عقبة في طريق أو يتحول أثر إلى مساحة مطلوبة لمشروع جديد.
لا أقول هذا لأمدح مكانا وأدين آخر. أقوله لأن الأمم لا تحفظ تاريخها بالكتب وحدها. تحفظه أيضا بأن تترك للأجيال فرصة أن تقف في المكان نفسه الذي وقف فيه أصحاب الحكاية.
وأنا بالأمس كنت واحدا من هؤلاء. وقفت حيث وقف رجال رحلوا منذ قرون. دخلت المكان الذي حمل أسماءهم. حملت تمثال رجل أبحث عن قبره. قرأت ما استطعت من الحجارة وعجزت عن قراءة الكثير. ومشيت وراء أثر عبدالله النديم فإذا بي أتعلم من يحيى أفندي ومن الخطاطين ومن الشواهد ومن العمائم الحجرية ومن الجسر البعيد.
ذهبت أبحث عن قبر فوجدت متحفا بلا سقف.
وذهبت أبحث عن ميت فوجدت مكانا يفيض بالحياة.
وربما لهذا قلت إنها مقابر ترد الروح.
ما زلت لم أصل إلى قبر النديم. وهذا يجب أن يبقى واضحا. البحث مستمر. لكنني بدأت أفهم أن الوصول إليه لن يكون نهاية الرحلة. ربما يكون بدايتها الحقيقية.
لأنني كلما اقتربت من قبر عبدالله النديم أبتعد أكثر عن فكرة أن الرجل مجرد صفحة من الثورة العرابية. أراه الآن صحفيا ومنفيا ومصلحا وجسرا بين عالمين. رجلا ترك جزءا من حكايته في القاهرة وجزءا في يافا ثم ترك آخر أسراره هنا في الآستانة.
في الحادي عشر من أكتوبر سنزيح الستار عن تمثاله في الذكرى المئة والثلاثين لرحيله. وبعد هذه الزيارة تغير معنى التمثال عندي. لم يعد مجرد عمل فني نستعيد به وجه رجل غاب.
صار بالنسبة إلي وعدا.
وعدا بأن نواصل البحث.
عن القبر.
وعن الأوراق.
وعن سنوات الآستانة.
وعن الرجل الذي تفرقت حكايته بين أكثر من مدينة وأكثر من منفى.
وربما لهذا كان أجمل ما أخذته معي من زاوية يحيى أفندي أن التاريخ ليس ما مضى.
التاريخ هو ما بقي قادرا على أن يمسك بيدك ويقودك إلى طريق لم تكن تعرف أنك تبحث عنه.
وعندما يصافح التاريخ الإبداع… لا تولد الحكايات فقط.
تعود بعض الأرواح أيضا.







