مصر

حسام الدين علي: غياب ثقافة التفاوض أضاع فرصًا سياسية.. وحزب الوفد ارتبط تاريخيًا بالتفاوض باسم المصريين

أكد الدكتور المهندس حسام الدين علي أن امتلاك السياسي لمهارات التفاوض يمثل ضرورة أساسية في العمل العام، معتبرًا أن الحياة السياسية المصرية شهدت في مراحل مختلفة غيابًا أو ضعفًا في ثقافة التفاوض، ما أدى، من وجهة نظره، إلى ضياع فرص كان من الممكن أن تقود إلى مسارات مختلفة.

جاء ذلك خلال الجزء الأول من محاضرته حول «فن التفاوض»، ضمن فعاليات برنامج إعداد وتأهيل الكوادر، بحضور عدد من قيادات وأعضاء حزب الوفد والمشاركين في البرنامج.

واستُهلت الفعالية بالترحيب بضيوف المحاضرة، وتوجيه الشكر إلى القائمين على البرنامج وفريق العمل المسؤول عن الإعداد والتنظيم والمتابعة، إلى جانب الترحيب بالدكتور حسام الدين علي، الذي تجمع مسيرته بين العمل السياسي والحزبي والمجتمعي والدراسة المتخصصة في إدارة الأزمات والمخاطر.

وأشار مقدم الفعالية إلى أن حسام الدين علي حاصل على بكالوريوس هندسة الإلكترونيات والاتصالات من جامعة قناة السويس، ودبلوم وماجستير في إدارة الأزمات والمخاطر من جامعة القاهرة، إلى جانب توليه عددًا من المواقع الحزبية والسياسية والمجتمعية خلال مسيرته.

الوفد والتفاوض في التاريخ السياسي المصري

وفي بداية المحاضرة، أعرب حسام الدين علي عن سعادته بالحديث عن التفاوض داخل حزب الوفد، معتبرًا أن الحزب ارتبط منذ نشأته بفكرة التفاوض والعمل السياسي من أجل تحقيق المطالب الوطنية.

واستعرض تجربة سعد زغلول ورفاقه عقب الحرب العالمية الأولى، مشيرًا إلى أن مطالبة البريطانيين لهم بإثبات تمثيلهم للمصريين قادت إلى فكرة جمع التوكيلات الشعبية، التي تحولت إلى مصدر للقوة والشرعية السياسية للوفد في تحركاته ومفاوضاته.

وأوضح أن هذه التجربة تقدم، من وجهة نظره، درسًا أساسيًا لأي مفاوض، يتمثل في ضرورة امتلاك سند حقيقي قبل الدخول إلى طاولة التفاوض، سواء كان هذا السند شعبيًا أو سياسيًا أو قائمًا على مطالب واضحة ومحددة.

وتطرق إلى معاهدة 1936، معتبرًا أنها تقدم نموذجًا آخر للبحث عن مساحة اتفاق بين مطالب الطرفين، حيث سعت مصر إلى تقليص الوجود العسكري البريطاني وتعزيز وضعها الدولي، بينما كانت بريطانيا تسعى إلى حماية مصالحها في قناة السويس وتأمين طرق الاتصال وترتيبات الدفاع في حالة الحرب.

ورأى أن الوصول إلى اتفاق جاء نتيجة إدراك كل طرف لمصالح الطرف الآخر والبحث عن نقطة يمكن عندها تحقيق جزء من مطالب الجانبين.

«السياسي خُلق ليتفاوض»

وشدد حسام الدين علي على ضرورة التفرقة بين صاحب الأيديولوجيا والسياسي الذي يعمل انطلاقًا منها، معتبرًا أن التمسك بالمبادئ لا ينبغي أن يعني رفض التفاوض بصورة مطلقة.

وقال إن أحد أوجه القصور التي يراها في الممارسة السياسية يتمثل في التعامل مع التفاوض باعتباره تنازلًا عن المبادئ، في حين أن العملية السياسية، بحسب رؤيته، تقوم في كثير من الأحيان على تنازلات متبادلة للوصول إلى حلول عندما لا يستطيع أي طرف فرض مطالبه كاملة على الطرف الآخر.

وأضاف أن السياسي يجب أن يبحث عن النتائج الممكنة، موضحًا فكرته بمثال الإفراج عن المحبوسين، إذ رأى أن عدم القدرة على تحقيق الهدف كاملًا دفعة واحدة لا ينبغي أن يمنع التفاوض من أجل تحقيقه تدريجيًا.

وأكد أن المفاوض الناجح يحتاج كذلك إلى فهم مخاوف الطرف الآخر ومشكلاته وأسباب رفضه للمطالب المطروحة، لأن الوصول إلى اتفاق يتطلب معرفة مصالح جميع الأطراف وليس الاكتفاء بعرض مطالب طرف واحد.

التفاوض يبدأ بفهم مطالب الناس

وربط حسام الدين علي بين هذه المبادئ والعمل في المجالس المحلية، موضحًا أن عضو المجلس المحلي أو المسؤول السياسي يحتاج قبل التفاوض مع الجهات التنفيذية إلى التأكد من حقيقة المشكلات التي ينقلها المواطنون.

وأشار إلى أن التحقق من المعلومات يمثل جزءًا أساسيًا من العملية، حتى لا يدخل السياسي في تفاوض مع مسؤول تنفيذي استنادًا إلى معلومات غير دقيقة.

وأوضح أن أي صراع أو تفاوض يتطلب أولًا تحديد الأطراف ومصالح كل طرف ومصادر قوته، مستشهدًا بالتجربة التاريخية للوفد التي ضمت عدة أطراف، بينها الوفد والسلطات البريطانية والشعب المصري والقصر، ولكل منها مصالح ومطالب مختلفة.

«الصدمة» كأداة لكسر الجمود

وتناول حسام الدين علي تجربة الرئيس الراحل أنور السادات في عملية السلام مع إسرائيل، معتبرًا أن زيارته للقدس مثلت استخدامًا لما وصفه بـ«تكنيك الصدمة» لكسر حالة الجمود القائمة آنذاك.

وأوضح أن الخطوة أحدثت تحولًا في مسار العملية السياسية، قبل الدخول في مفاوضات تناولت عددًا كبيرًا من الملفات والتفاصيل، وصولًا إلى مفاوضات كامب ديفيد التي استمرت 13 يومًا في سبتمبر 1978 بوساطة أمريكية.

وأشار إلى أن ملفات مثل مراحل الانسحاب وأعداد القوات وحقول البترول والمستوطنات كانت جزءًا من عملية تفاوضية طويلة، مؤكدًا أن التسويات لا تتحقق بمجرد إعلان المواقف وإنما عبر التفاوض بشأن التفاصيل والمصالح المتعارضة.

وأكد أن من أهم مهارات التفاوض توضيح المكاسب التي يمكن أن يحصل عليها الطرف المقابل من الاتفاق، لأن قبول أي طرف بتقديم تنازل يرتبط بوجود مصلحة يريد تحقيقها.

من السياسة الدولية إلى مشكلات الأحياء

ودعا حسام الدين علي المشاركين إلى تطبيق المفهوم نفسه عند التعامل مع المشكلات المحلية، ضاربًا مثالًا بالتفاوض مع رئيس حي لإنارة شارع.

وأوضح أن المطالبة بتركيب أعمدة الإنارة يمكن تعزيزها بإظهار مصلحة الجهة التنفيذية نفسها، من خلال توضيح أن استمرار الظلام قد يؤدي إلى زيادة الحوادث أو الجرائم أو شكاوى المواطنين.

واعتبر أن تحويل المسؤول من خصم في التفاوض إلى شريك لديه مصلحة في الوصول إلى الحل يمثل إحدى المهارات الأساسية في التعامل مع الجهات الحكومية.

25 يناير وفرص التفاوض الضائعة

وانتقل حسام الدين علي إلى أحداث ثورة 25 يناير 2011، متوقفًا عند دعوة نائب الرئيس آنذاك عمر سليمان عددًا من القوى السياسية إلى التفاوض خلال أيام الثورة.

وأشار إلى أن عددًا من الأحزاب الرئيسية رفض المشاركة في تلك المفاوضات، بينما شاركت جماعة الإخوان المسلمين وبعض الأحزاب الصغيرة.

وربط حسان بين موقف الأحزاب وبين ضعفها خلال سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، معتبرًا أن إضعاف الحياة الحزبية جعل بعض الأحزاب غير واثقة من قدرتها على تمثيل المحتجين أو التفاوض باسم الشارع.

وطرح تساؤلًا حول ما كان يمكن أن يحدث لو دخلت القوى السياسية في مفاوضات حول خريطة طريق تتضمن مستقبل الرئاسة وتعديلات دستورية وضمانات للانتخابات، معتبرًا أن غياب طرف سياسي قوي قادر على التفاوض كان أحد أوجه الأزمة في تلك المرحلة.

وشدد على أن الأنظمة السياسية تحتاج إلى قنوات حوار وتفاوض مستمرة مع القوى المختلفة، معتبرًا أن وجود أحزاب قوية ليس مجرد مسألة تتعلق بالمعارضة، وإنما يمثل أيضًا آلية للتعامل مع الأزمات السياسية عندما تتطلب الظروف وجود أطراف قادرة على تمثيل قطاعات من المجتمع.

من استفتاء 2011 إلى «وثيقة السلمي»

وتناول حسام الدين علي استفتاء 19 مارس 2011، معتبرًا أن التوصل إلى توافق سياسي حول ترتيب المرحلة الانتقالية كان يمكن أن يؤدي إلى مسار مختلف.

كما أشار إلى الجدل الذي دار لاحقًا حول ما عُرف بـ«وثيقة السلمي» والمبادئ فوق الدستورية، معتبرًا أن تلك المرحلة شهدت بدورها ضعفًا في القدرة على بناء تسويات بين القوى السياسية المختلفة.

وقال إن جزءًا من الأزمة تمثل في سيطرة الشعارات والمواقف الحادة على المشهد بدلًا من التفكير في حجم القوة التي يمثلها كل طرف وما يمكنه تحقيقه بالفعل عبر التفاوض.

الحوار الوطني وضرورة وجود قنوات سياسية

واختتم الجزء الأول من المحاضرة بالتطرق إلى الحوار الوطني، معتبرًا أن إطلاقه جاء في سياق الحاجة إلى فتح مساحة للحوار مع قوى سياسية ومجتمعية مختلفة.

وأكد أن وجود قنوات متعددة للحوار والتفاوض يمثل ضرورة لأي نظام سياسي، وأن غياب هذه القنوات قد يؤدي إلى تراكم الخلافات حتى الوصول إلى مراحل يصعب فيها التوصل إلى تسويات.

وشدد حسام الدين علي على أن التفاوض ليس تخليًا عن المبادئ، وإنما مهارة سياسية تهدف إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف وفق موازين القوى والظروف المتاحة، مؤكدًا أن هذه المهارة لا تقتصر على القضايا الوطنية الكبرى، بل تمتد إلى العمل الحزبي والمحلي والتعامل اليومي مع مؤسسات الدولة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى