
منذ انفجار الثورة الايرانية عام 1979 ، واجهت هذه الدولة أزمات:
1- داخلية منها الازمات الاقتصادية ونزاعات مسلحة مع بعض فصائل المعارضة بخاصة القومية منها، مع تزايد الوضوح في انقسام سياسي متذبذب في حدته داخل النخبة الحاكمة –محافظون واصلاحيون-)
2- ازمات اقليمية ابرزها الحرب العراقية الايرانية، والحروب المتقطعة مع دول الجوار العربي واسرائيل خلال العامين الماضيين، ثم تفاعلات ايران مع القوى الاقليمية المساندة لها(بعض الدول العربية او اطراف ما سُمي لاحقا بمحور المقاومة) وتأزمات مع التيارات المذهبية السنية بل وبعض الشيعية ، وقدر واضح من عدم التناغم مع دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام
3- الازمات الدولية وبخاصة مع الولايات المتحدة ،وبدرجة اقل مع الاتحاد الاوروبي .
لكن كل هذه الازمات لم تؤد الى تغيير النظام او تغيير توجهاته المركزية وتحالفاته ، وهو ما يعني ضمنيا ان “بنية النظام بقيت متماسكة ” بل تمكنت من التكيف مع التحولات العميقة وبقدر واضح وإنْ كانت التكلفة عالية.
وللاطلال على مستقبل ايران في المدى المباشر –حتى عام 2030، لا بد من تحديد ما هي مؤشرات القوة ومؤشرات الضعف والموازنة بينها ، ومنع تسلل التفكير الرغائبي(wishful thinking) لاي من النمطين من المؤشرات.
اولا مؤشرات الضعف:
أ- مؤشرات الضعف الاقتصادية : وتتمثل في
1- رغم التحسن الطفيف في معدل انكماش الناتج المحلي مؤخرا ،الا ان معدله بلغ حتى منتصف العام الحالي حوالي 5.4%.
2- أدى ارتفاع الاسعار واستطراقه الى اغلب السلع بخاصة المواد الغذائية الى تزايد في معدل التضخم ليصل حاليا الى حوالي 89% تقريبا.
3- تدهور قيمة الريال الايراني ليصل في السوق الموازي الى اكثر من 2 مليون للدولار.
4- البطالة في اوساط الشباب –حتى سن 25- زادت عن 23%
5- العجز في قطاع الكهرباء بشكل ترك اثرا سلبيا على الانتاج نظرا للجوء لتقنين القطاع الصناعي.
6- استمرار الاستنزاف الاقتصادي نتيجة “طول مدة اقتصاد الحرب” اضافة لتدمير قطاعات من البنى التحتية بخاصة في القطاعين النفطي والصناعي.
7- انخفاض معدل الصادرات النفطية الايرانية لتصل احيانا الى اقل من مليون برميل يوميا ، مما يعزز العجز في الميزانية ويعزز العجز في القدرة على تمويل الواردات.
8- اضطرار ايران الى بيع النفط للصين-وهي المستورد الأول- باسعار مخفضة ، مما يقلص من العائد المنتظر او العائد الطبيعي، رغم أنه يوفر سوقا لايران .
9- التضييق الذي تمارسه العقوبات الغربية على ايران على شبكات التمويل الموازي والوسطاء من مصارف ومحلات صرافة وتجارة العملات الرقمية .
ب- مؤشرات الضعف السياسية : وتتضح في الآتي:
1-استمرار الاشتباك العسكري –ولو بشكل متقطع- مع بعض قوى الداخل او مع الاقليم او مع قوى دولية على رأسها امريكا.
2- ان الحاجة لبعض الدول كالصين وروسيا يجعل القدرة التفاوضية الايرانية اضعف في مواجهة بعض مطالب هذه الدول رغم العلاقة الايجابية بينهما.
3- استمرار الارباك الذي تخلقه دورات التصادم مع المعارضة سواء من داخل النظام او مع القوى السياسية خارج النظام او القوى المعارضة المسلحة مثل الاكراد والبلوش وبعض العرب ..الخ.
4- ان وزن الولايات المتحدة واسرائيل وبعض القوى الاوروبية في مواجهة ايران يجعل القدرة الايرانية على الحركة السياسية الدولية أكثر صعوبة وتعقيدا.
5- الهوة بين مستوى التطابق في النزعة الدينية للنظام السياسي وبين مستوى الموقف المجتمعي من النزوع الديني للنظام تبقي النظام في حالة ارتباك .
6- هناك قدر من التاثير للانشطار المذهبي داخل العالم الاسلامي على اساس سنة وشيعة، وهو ما يؤثر نسبيا على ايران بخاصة لدى بعض القطاعات الشعبية داخل ايران وفي اقليمها الجيوسياسي.
7- ما تزال معدلات الفساد وقمع الحريات والاستقرار الاجتماعي وانتشار المخدرات(بصفتها مَعْبَر لهذه السلعة) في ايران لا تشير الى دلالات ايجابية ، فهي تقع غالبا ضمن الدول الاقل في هذه الجوانب طبقا لنماذج القياس الدولية .
ثانيا : مؤشرات القوة: وتتضح في الآتي:
أ- المؤشرات الاقتصادية:
1- رغم الحصار ،فان ايران تمكنت من تعويض التضييق على صادراتها النفطية من خلال شبكات غير رسمية بخاصة للصين ،وارتفع التصدير الى حدود 1.7 مليون برميل يوميا ، ولعل ما يسمى اسطول الظل المكون من شبكات التهريب والالتفاف يمثل عاملا مهما للغاية في هذا المجال ،فهو يوفر من خلال التهريب البحري والتبادل التجاري غير الرسمي تدفقات نقدية لا يجوز اغفالها.
2- وضعت الدولة خطة لسياسات الاستيراد ادت الى تقليص العجز في الميزان التجاري 2 مليار دولار خلال الاشهر العشر الأخيرة، واصبح العجز 4 مليار دولار تقريبا بدلا من 6.
3- تمكنت ايران من رفع عائدات صادراتها غير النفطية لتعويض النقص في الصادرات النفطية، ويتضح النجاح ببلوغ الصادرات غير النفطية حاليا ما يعادل 4.5 مليار دولار شهريا.
4- اتبعت ايران سياسة تكيفية مع الازمات الاقتصادية من خلال ما يشبه قيادة حرب اقتصادية ، وأوكلت هذه السياسة لمؤسسة صندوق التنمية الوطنية بهدف ضمان تأمين السلع الاساسية والادوية.
5- تحول ايران في تجارتها نحو الجوار القريب ،واصبحت تركيا وباكستان وروسيا والعراق منافذ مركزية برية لتمويل الواردات من ناحية وتجنب التضييق البحري عليها من ناحية اخرى.
6- ادارة اقتصاد الحرب في ايران من خلال تقنين الطاقة وفرض شراء المنتجات المحلية وتوسيع اللجوء لكوبونات الغذاء ، وتبدو هذه السياسة ناجحة في امتصاص قدر من الاحتقان.
7- تشكل عضوية ايران في بعض المنظمات مثل بريكس وشنغهاي منفذا يفتح مجالا لها سواء لكسر العزلة السياسية او لفتح بعض قنوات التجارة عبر هذه المنظمات.
ب- المؤشرات السياسية في قوة ايران:
1- التراجع الكبير في المراهنة على المعارضة الايرانية، إذ تميل كل الدراسات التي اطلعت عليها الى تأكيد فكرة تشرذم حاد في المعارضة ، بل ان غياب اية قيادة جماعية أو فردية او اطار تنظيمي لهذه المعارضة يبقي على تنازعها الداخلي الآيديولوجي والتاريخي. كما ان المعارضة من داخل النظام انتهجت نهجا عقلانيا يقوم على فكرة مركزية وهي التمييز بين خلاف الرأي مع النظام وبين الصراع على الدولة والمجتمع بخاصة ان الصراع الاول-مع النظام- داخلي بينما الثاني مصدره خارجي. ولكن لا يجوز اغفال ان سياسات النظام بخاصة مع المعارضة المسلحة او “المشاغبة من منظور النظام- كانت فعالة بغض النظر عن التقييم الاخلاقي او القانوني لها. ومن الواضح ان رضا بهلوي لا يحظى بشعبية يمكن الرهان عليها،كما ان منظمة مجاهدي خلق التي اصبحت اقرب لواشنطن –رغم خلفيتها – واتهامها بعلاقات سابقة مع النظام العراقي زمن صدام ،جعل الرهان عليها فيه مبالغة كبيرة، ولعل هذا التشقق بين فصائل المعارضة كان واضحا في مؤتمر الحرية في ايران او اللقاءات الثنائية بين التنظيمات.
اما المعارضة الايرانية المسلحة ، فلعل ابرزها القوى الكردية التي شكلت في مطلع العام الحالي تحالفا موحدا ،ولها خبرة قتالية لا بأس بها، لكن هذه المعارضة تحديدا تتمركز في كردستان العراق ،وهو ما يثير مخاوف تركيا(التي لديها مشكلة كردية هي في طريق التسوية)،كما ان اردوغان مارس نشاطا دبلوماسيا حثيثا لعرقلة تسليح واشنطن لهم، ناهيك عن رغبة كردستان العراق في عدم مجاراة كرد ايران في تاجيج الصراع المسلح نظرا للقلق من ردات فعل ايرانية قاسية على كردستان العراق،الى







