
من ذاق مرارة الظلم يعلم أن يومًا واحدًا، بل ساعة واحدة خلف الأسوار بغير حق، قد تترك في نفس إنسان بريء جرحًا لا تمحوه سنوات. ولعل أبعد الناس عن إدراك هذا المعنى من يتعاملون مع أعمار المحبوسين باعتبارها مددًا تُضاف إلى الأوراق، ثم ينصرفون إلى بيوتهم، بينما يبقى غيرهم خلف الأبواب المغلقة ينتظر قرارًا قد يغيّر حياته وحياة أسرته.
لهذا استوقفتني موافقة مجلس النواب المصري، اليوم، الثلاثين من سبتمبر ٢٠٢٦، على مشروع تأجيل بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ عامًا كاملًا، من الأول من أكتوبر ٢٠٢٦ إلى الأول من أكتوبر ٢٠٢٧. جاء القرار قبل الموعد المقرر للتطبيق بيوم واحد، بمبررات تتعلق باستكمال الاستعدادات التنظيمية والتقنية والبشرية. لكن ما يشغلني، قبل تفاصيل التجهيزات، هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل صاحب مسؤولية: من يدفع ثمن هذا الوقت؟
والدقة واجبة هنا: تطبيق القانون الجديد لم يكن يعني إفراجًا تلقائيًا عن جميع المحبوسين، وتأجيله لا يضيف سنة آليًا إلى حبس كل محتجز. لكن ذلك لا يُسقط السؤال عن تأخر الضمانات المنتظرة، وعن مصير من تعلّق أملهم بمراجعة أوضاعهم، ولا يعفي مؤسسات الدولة من بيان ما فعلته خلال مهلة الاستعداد السابقة، ولماذا احتاجت إلى مهلة أخرى في اللحظة الأخيرة.
واعتراضي على التأجيل لا يعني قبول القانون بصورته الحالية، ولا التهوين مما يعتريه من عوار في ميزان الحرية وحقوق الدفاع. فالإنصاف الذي أطالب بالتعجيل به يقتضي إصلاح النصوص المعيبة، ورفع المظالم القائمة، وضمان ألا يتحول الحبس الاحتياطي إلى عقوبة تسبق الحكم. وليس مقبولًا أن يُحصر الاختيار بين تطبيق قانون يحتاج إلى إصلاح، أو إرجاء الضمانات المنتظرة عامًا آخر. المطلوب أن تتحرك الدولة الآن في المسارين معًا: إصلاح التشريع، وإنصاف المظلومين.
إن العدالة المرجوة تأخرت كثيرًا قبل هذا القرار. وكم من مظلوم يئن في قيده، وكم من عائل غيّبته جدران السجون عن ضعفاء وصغار يعولهم. وحين يطول غياب الأب، تتوزع أعباؤه على البيت كله: زوجة تواجه وحدها نفقات الحياة ومسؤوليات التربية، وأطفال يحتاجون إلى الطمأنينة، وأم يثقل عليها العمر وهي تنتظر أن ترى ابنها عائدًا.
من حق هذه الأسر أن تسأل: ماذا فعلتم بالوقت الذي مضى؟ ومن حق المجتمع أن يعرف أين تعثرت الاستعدادات، ومتى ظهر التعثر، ومن كان مكلفًا بمعالجته. فموعد التطبيق كان معلومًا منذ إصدار القانون في نوفمبر ٢٠٢٥، وكان يفترض أن تسبقه متابعة تكشف النقص وتتيح تداركه. أما أن يصل الأمر إلى اليوم السابق للنفاذ، فذلك يستدعي كشفًا واضحًا للمسؤوليات.
من المفهوم أن يحتاج تطبيق قانون واسع الأثر إلى تدريب وتجهيز وتنسيق. ومن واجب الدولة أن تمنع الاضطراب في إجراءات تمس الحرية والدفاع والمحاكمة. غير أن قبول أهمية الاستعداد لا يمنح أحدًا إعفاءً من المحاسبة على تأخره. وكلما كانت الحقوق المعنية أخطر، أصبحت مسؤولية التخطيط والمتابعة أكبر.
ومن يطلب مهلة جديدة، عليه أن يقدم تفسيرًا محددًا: ما الذي لم يكتمل؟ ولماذا يحتاج إنجازه عامًا كاملًا؟ وبأي معايير سيُقاس التقدم؟ فمن دون إجابات معلنة، يصعب على المواطن أن يطمئن إلى أن الموعد الجديد سيختلف عن سابقه.
ثم إن الأجدر كان التعجيل بإصلاح القانون ورفع المظالم معًا. ويبدأ ذلك بفحص ضرورة استمرار الحبس في كل حالة، وتمكين الدفاع من أداء دوره، ومواجهة أي تحايل يجعل سلب الحرية ممتدًا دون مساءلة فعالة. وينبغي ألا تتوقف هذه المسؤوليات في انتظار موعد القانون الجديد؛ فواجب رفع الظلم قائم اليوم، وحاجة الأسر إلى الإنصاف لا تحتمل إرجاء النظر فيها عامًا آخر.
ولنأخذ مثالًا محددًا: المادة ١١٤ تتيح لعضو النيابة العامة، بصيغة «يجوز»، استبدال الحبس الاحتياطي بتدابير منها البقاء في المسكن أو الحضور إلى مقر الشرطة في أوقات محددة. وهذه بدائل مفيدة، لكن المادة لا تُلزم صراحةً ببيان سبب عدم كفايتها قبل اختيار الحبس. ومع أن القانون يشترط تسبيب أمر الحبس، فإنني أرى أن الضمانة الأوضح هي إلزام جهة التحقيق بفحص البدائل أولًا، وبيان لماذا لا يحقق أي منها الغرض المطلوب. فمن تُسلب حريته يستحق تفسيرًا لضرورة حبسه، ولعدم كفاية إجراء أقل قسوة عليه.
وعلى هذا الأساس ينبغي أن تُراجع النصوص التي تمس حقوق الدفاع والخصوصية والرقابة القضائية، بمشاركة القضاة والمحامين والحقوقيين. فالتجهيز التقني لا يعالج قصور الضمانات، وحسن تطبيق القانون يبدأ أيضًا بإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح في أحكامه.
وأرى أن الحد الأدنى من المسؤولية اليوم هو إعلان خطة تنفيذ محددة المراحل، وتقديم تقارير دورية عن تقدمها إلى البرلمان والرأي العام، وبيان أسباب أي تعثر فور ظهوره. ويجب أن تشمل المتابعة نتائج مراجعة النصوص والضمانات، إلى جانب التجهيز والتدريب. عندها فقط يصبح الحديث عن الإصلاح التزامًا يمكن قياسه، ويصبح للبرلمان دور في محاسبة القائمين عليه.
أما الاكتفاء بتغيير التاريخ، ثم مطالبة الناس بمزيد من الانتظار، فيعمق أزمة الثقة. وأي برود هذا الذي يسمح بأن تمر عبارة «عام إضافي» دون وقفة أمام معناها في حياة أسرة؟ عام قد يفوت فيه على أب أن يسند ابنه في محنة، أو أن يودع أمًا تحتضر، أو أن يحفظ بيته من الانهيار. ولهذا يجب أن يحضر الإنسان بكل هذه التفاصيل في حسابات المشرّع والمسؤول.
ومع ذلك، مهما طال الليل، فلن نيأس من رَوْح الله. قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. فإن أُغلقت أبواب الأرض، فأبواب السماء لا تُغلق في وجه دعوة المظلوم. وقد جاء في الحديث عنها: «يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وهذا الرجاء يحملنا على مواصلة المطالبة بالعدل، ومساندة المظلوم وأهله، والأخذ بكل سبب مشروع لرفع معاناته. فالصبر لا يُسقط حقًا، وطول الانتظار لا يعفي مسؤولًا من واجبه.
نريد عدالة يشعر بها الناس في حياتهم: مظلمة تُرفع، وحرية تُصان، وأسرة تطمئن إلى أن صوتها مسموع، ومسؤول يُسأل عما أنجزه وما أخفق فيه. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى السؤال قائمًا: من يحاسب على الوقت الضائع؟ ومن يعجّل بإنصاف من لا يملكون من أعمارهم عامًا آخر للانتظار؟





