حمدي البحيري يكتب : بوابة شرق المتوسط: لماذا تعود مصر إلى الحسابات الأمريكية؟

في تطور يعكس تنامي الأهمية الاستراتيجية لشرق المتوسط في الحسابات الأمريكية، أقرت لجنتا العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، في 21 يناير/كانون الثاني ثم 17 يونيو/حزيران 2026، على الترتيب، مشروع قانون «بوابة شرق المتوسط» (Eastern Mediterranean Gateway Act)، الذي يتضمن توسيع نطاق الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا، بما يشمل إدماج مصر ضمن منظومته.
بهذا التطور، تدخل مصر إلى خريطة ممر مهمته أن يصل آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة؛ فمصر، التي تقف منذ قرون عند نقطة اتصال الشرق بالغرب، وتملك قناة السويس، أحد أهم ممرات التجارة العالمية، تغيب عن مشروع يستهدف الربط بين آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط.
وما الذي استدعى عودتها إلى الحسابات الأمريكية اليوم، وكيف تترجم مصر هذا الاحتياج لتصنع نفوذًا مستدامًا، بدلًا من الاكتفاء بالدور الوظيفي المؤقت؟
من الهند إلى حيفا.. كيف صُمم الممر أول مرة؟
جاء مشروع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) بعدما أُصيبت كلٌّ من حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وإمدادات الطاقة باضطرابات متلاحقة، بدأت مع جائحة كوفيد-19، ثم تعمقت مع الحرب الروسية–الأوكرانية، بالتزامن مع تصاعد المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين واتساع نطاق مبادرة «الحزام والطريق».
اتجهت الولايات المتحدة وشركاؤها حينها إلى البحث عن مسارات بديلة تربط آسيا بأوروبا. وفي هذا السياق، أُعلن عن الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر 2023، بموجب مذكرة تفاهم وقعتها الهند والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا.
كان المشروع تصورًا تتجاور فيه حركة البضائع مع حركة الطاقة والمعلومات. تنطلق البضائع من الموانئ الهندية بحرًا إلى موانئ الخليج العربي، ثم تنتقل برًّا عبر شبكة من السكك الحديدية تمتد في أراضي دول الخليج، مرورًا بالأردن، وصولًا إلى ميناء حيفا على البحر المتوسط، ومنه تعود إلى البحر في طريقها إلى الأسواق الأوروبية. وبالتالي، فإن وجود حيفا في نهاية المسار البري من شأنه أن يجعلها نقطة استراتيجية في الممر، بما يمنح إسرائيل موقعًا مؤثرًا في حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
ويأتي ذلك في سياق تنامي الدور الإسرائيلي اقتصاديًا وأمنيًا في المنطقة عبر اتفاقات أبراهام، والمحاولات الأمريكية الرامية إلى توسيع نطاق التطبيع العربي–الإسرائيلي، بما يهيئ لإسرائيل دورًا إقليميًا أوسع في ترتيبات الأمن والاقتصاد، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية باتجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي المقابل، لم تدخل مصر في هذا التصور، رغم مقوماتها الجغرافية، وهو الأمر الذي يستدعي قراءة الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي صاحبت إطلاق المشروع، وفي مقدمتها مسار التطبيع بين إسرائيل وبعض دول المنطقة، والسعي الأمريكي إلى تنويع مسارات التجارة العالمية وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، وفي مقدمتها قناة السويس.
بدت إمكانية احتواء التوترات الإقليمية وتأمين مسار بري يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط عبر إسرائيل قابلة للتحقق وقتها. لكن ما يبدو ممكنًا على الورق قد تكشف الأحداث عن هشاشته في الواقع. ومنذ أواخر عام 2023، جاءت التطورات الإقليمية لتضع هذه الافتراضات أمام اختبار قاسٍ.
من استقرارٍ مفترض إلى واقعٍ مضطرب
بعد أسابيع فقط من إعلان المشروع، شنت المقاومة الفلسطينية عملية «طوفان الأقصى»، التي سرعان ما امتدت تأثيراتها من غزة إلى لبنان، ثم إلى البحر الأحمر وسوريا والعراق، قبل أن تتسع المواجهة لاحقًا بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. وامتدت تداعيات الصراع إلى مناطق العبور والممرات البحرية المحيطة، ما أجبر السفن التجارية على تغيير مساراتها ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يعني أن كفاءة الممر باتت تحتاج إلى توفير الأمن، بقدر ما تتطلب اختصار المسافة والزمن.
ومن قبل، فقد زادت الحرب الروسية–الأوكرانية، وما أعقبها من عقوبات غربية واسعة على روسيا، من قيمة المناطق القادرة على توفير الغاز الطبيعي والكهرباء ومصادر الطاقة المتجددة، ومنها منطقة شرق المتوسط، خاصة مع سعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر الطاقة ومساراتها بدلًا من الاعتماد الواسع على روسيا.
وإلى جانب ذلك كله، كانت المنطقة في ذاتها تكتسب وزنًا متزايدًا بحكم الاكتشافات المتتالية للغاز الطبيعي في مصر وإسرائيل وقبرص، وامتلاك مصر بنية تحتية لتسييل الغاز الطبيعي تتيح إعادة تصديره إلى الأسواق الخارجية، إلى جانب تطور مشروعات الربط الكهربائي والطاقة المتجددة، وتزايد الاهتمام بالهيدروجين الأخضر، وتنامي أطر التعاون والمشروعات الإقليمية المرتبطة بالطاقة والنقل والربط، من بينها منتدى غاز شرق المتوسط، والتعاون الثلاثي بين مصر واليونان وقبرص، وصيغة «3+1» بمشاركة الولايات المتحدة، إلى جانب مشروعات الربط الكهربائي، مثل GREGY Interconnector وEuroAfrica Interconnector؛ كل ذلك ضاعف من أهمية منطقة شرق المتوسط.
مصر.. بوابة شرق المتوسط
كشفت تلك التطورات والاضطرابات أن الاعتماد على مسار واحد أو عقدة لوجستية واحدة يظل معرضًا للانقطاع مع تحولات البيئة السياسية والأمنية المحيطة به.
وفي هذا السياق، اتجهت بعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في التصور الأول للممر، من خلال طرح مشروع قانون «بوابة شرق المتوسط» (Eastern Mediterranean Gateway Act)، وهو مشروع قانون يعيد النظر في تصميم الممر الاقتصادي، ويطرح تصورًا جديدًا من ضمنه إدماج مصر في منظومته. وقد مر مشروع القانون بمراحله التشريعية داخل الكونجرس الأمريكي؛ فأُحيل إلى اللجان المختصة في مجلسي النواب والشيوخ لدراسته، قبل أن توافق لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ عليه في 21 يناير 2026، ثم لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب في 17 يونيو 2026، تمهيدًا لاستكمال مراحله التشريعية داخل المجلسين. ولا تقتصر أهمية هذا المسار على جانبه الإجرائي، بل إنه يعكس انتقال النقاش حول الدور المصري في الممر من نطاق التقديرات السياسية إلى مستوى المبادرة التشريعية داخل المؤسسة الأمريكية.
وفي ظل هذه التحولات، تكتسب مصر أهمية خاصة؛ فموقعها عند نقطة الاتصال بين البحرين الأحمر والمتوسط، وقناة السويس، وشبكة موانئها، إلى جانب بنيتها المتنامية في مجالات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، تمنحها مقومات تجعلها أكثر من مجرد طريق عبور. فهي تستطيع، إذا أُدمجت في شبكة الممر، أن توفر عقدة ربط بين مسارات بحرية وبرية متعددة للتجارة والطاقة والاتصالات، وأن توسع خيارات حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وينبغي ألا يُفهم إدماج مصر في منظومة الممر على أنه يعني بالضرورة التخلي عن المسار الأصلي أو استبداله بمسار آخر، بقدر ما يعكس مراجعة للفلسفة التي قام عليها الممر، وتوجهًا نحو إعادة بنائه من خط ذي نقاط إلى مسار شبكي أكثر قدرة على توزيع المخاطر والحركة، بما يمنح حركة التجارة والطاقة قدرًا أكبر من المرونة في مواجهة الاضطرابات.
الممر تحت الاختبار
يحقق إدماج مصر في الممر العديد من المزايا الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة وحلفائها. يتيح المشروع للولايات المتحدة تعزيز حضورها في شبكة إقليمية للربط الاقتصادي بشكل يحجم فرص القوى المنافسة من الاستفادة من هذه المسارات، ويفتح الموقع المصري لأوروبا خيارات أوسع في مجالات الطاقة والربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر. أما دول الخليج، فتستفيد من تعدد منافذها إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، ولا سيما في مجال الطاقة. وبالنسبة إلى الهند، فتستفيد من تعدد المسارات المؤدية إلى الاتحاد الأوروبي، أحد أكبر الأسواق العالمية. وتفسر هذه المصالح جانبًا من دوافع إعادة النظر في الممر، لكنها لا تحسم السؤال الأهم: هل يستطيع المشروع أن يعمل فعليًا في البيئة الإقليمية الجديدة؟
يتوقف النجاح الفعلي للممر، سواء بقي في تصوره الأول أو اتجه إلى صيغة أكثر تعددًا في المسارات والعقد، على ثلاثة شروط مترابطة: توافق سياسي بين أطرافه، واستقرار أمني على امتداد مساره، وجدوى اقتصادية تجعل الشركات ترى فيه فرصة للاستثمار.
سياسيًا: يمر الممر بمنطقة تتضارب فيها مصالح بعض الأطراف الإقليمية والدولية. وبينما تظهر المؤشرات تقاربًا بين بعض الفاعلين السياسيين في المنطقة، فإن مواقف بعض الأطراف الرئيسية تتباعد بشأن عدد من القضايا. كما يشهد الإقليم تعددًا في الاصطفافات والترتيبات الجديدة؛ من محور المقاومة بقيادة إيران، مرورًا بمحور التطبيع الذي تقوده الإمارات وإسرائيل، إلى حلف مكة.
أمنيًا: لا تزال ملفات الصراع مفتوحة في فلسطين ولبنان وإيران والعراق واليمن، كما تدفع دول الخليج كلفة مباشرة للتوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإيرانية. وإلى جانب ذلك، لم تصل سوريا بعد إلى مرحلة الاستقرار الكامل، كما أن الممرات البحرية ما زالت عرضة للاستهداف في هرمز وباب المندب، الأمر الذي يجعل البيئة الأمنية المحيطة بالممر لا تزال قيد الخطر.
اقتصاديًا: يحتاج الممر إلى ترجمة التصور السياسي إلى ترتيبات عملية تشمل البنية التحتية، وتوحيد سياسات الربط والتشغيل، وآليات التمويل، بما يسمح بانتقال التجارة والطاقة عبره بصورة منتظمة، وينقله من مستوى التصور إلى واقع قابل للتشغيل. كما سيظل في منافسة مع مسارات أخرى قائمة أو قيد التطوير، وهو ما يجعل قدرته على جذب المستخدمين مرتبطة بمدى قدرته على تقديم مزايا حقيقية في الوقت والتكلفة والموثوقية.
التحليل
تمثل «بوابة شرق المتوسط» إعادة اعتبار لمصر بوصفها حلقة وصل بين البحرين الأحمر والمتوسط، ومركزًا تاريخيًا لحركة التجارة بين الشرق والغرب. كما تعكس استجابة الولايات المتحدة وشركائها لحاجة الممر إلى هذا الموقع، بعد انكشاف حدود الاعتماد على الممر ذي المسار الواحد، وهو ما دفع إلى إعادة النظر في فلسفة بنائه والاتجاه نحو شبكة متعددة المسارات والعقد.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع مصر تحويل موقعها الجغرافي من ميزة ثابتة بحكم الجغرافيا إلى أداة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية؟ أو بعبارة أخرى، كيف تتحول من موقع جغرافي يُستفاد منه إلى طرف تُحسب مصالحه عند صياغة هذا التصور؟
ولكن لم يعد يكفي مجرد تحصيل مصر رسوم العبور اتكالًا على حكم التاريخ ومنطق الجغرافيا؛ بل المطلوب أن يتحول مرور التجارة والطاقة عبر مصر إلى نشاط اقتصادي ينشأ حوله التصنيع والخدمات اللوجستية والتخزين وإعادة التصدير ومشروعات الطاقة، بما يخلق استثمارات وفرص عمل ويزيد من القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري.
وعلى سبيل المثال، مع تزايد صادرات السلع الآسيوية إلى السوق الأوروبية، يمكن لمصر أن تستقطب جزءًا من مراحل إنتاج هذه السلع أو تجميعها. وتبرز صناعة السيارات الكهربائية مثالًا مناسبًا، خاصة مع وجود خطوات فعلية لإقامة مشروعات للسيارات ومكوناتها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ولكن هذا الجهد يحتاج إلى إرادة سياسية فاعلة ورؤية أشمل في صنع السياسات؛ تنتقل بها مصر من مجرد طرف يُعاد رسم الممر عبره، إلى طرف قادر على التأثير في شروط مشاركته وتعظيم العائد منها، وتحويل هذا الموقع إلى رافعة اقتصادية وقوة تفاوضية ومصلحة استراتيجية.







