
هناك ملف يتشكل بسرعة، وقد يكون أثره في السنوات المقبلة أعمق من كثير من المعارك الإعلامية والسياسية التي استنزفت الاهتمام والطاقات:
من سيكتب صورة الإخوان وتاريخهم في ذاكرة الذكاء الاصطناعي؟
لم يعد السؤال افتراضيًا.
حين يدخل الذكاء الاصطناعي ساحة الصراع
في 10 سبتمبر/أيلول 2026 كشفت شركة أنثروبيك، المطورة لنظام الذكاء الاصطناعي كلود، عن عملية تأثير مستمرة تستهدف الإخوان المسلمين.
وقالت الشركة إنها ربطت العملية، بدرجة ثقة مرتفعة، بمسؤولين حكوميين إماراتيين. ووفق تقريرها، استخدم القائم على العملية نظام «كلود» ضمن حملة أدارت نحو 300 حساب غير أصيل على وسائل التواصل الاجتماعي، وأنشأت منظمة واجهة، وأعدت شهادات وملفات تستهدف سياسيين وصحفيين وآليات دولية. كما قالت الشركة إن شبكة التضخيم الإعلامي كانت ممولة ومنسقة مركزيًا.
هذه ليست رواية مجهولة المصدر، وإنما حالة أعلنتها الشركة التي اكتشفت إساءة استخدام نظامها وأوقفت الحساب المرتبط بالعملية.
إسرائيل تدرس الإخوان مؤسسيًا
وفي جانب آخر من الصورة، أصدرت وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية في عام 2026 تقريرًا رسميًا موسعًا بعنوان «الإخوان المسلمون في أنحاء أوروبا»، تناول المؤسسات والشبكات التي تصنفها الوزارة ضمن البيئة المرتبطة بالإخوان، وتمويلها وانتشارها وصلاتها التنظيمية بحسب التقييم الإسرائيلي.
وهذا يكشف أن دراسة الإخوان وشبكاتهم أصبحت ملفًا مؤسسيًا منظمًا لدى الدولة الإسرائيلية. كذلك التحريض المباشر من قادة الكيان الصهيوني…
إذن نحن لم نعد أمام حملة صحفية عابرة.
نحن أمام عصر تستطيع فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة في إنتاج النصوص والصور والترجمات والمواد الإعلامية بسرعة هائلة، تستخدم في تشغيل حملات تأثير واسعة يصعب على المتلقي العادي إدراك مصدرها الحقيقي.
من يكتب الذاكرة الرقمية؟
لكن الخطر الأبعد أثرًا ليس مجرد تشويه السمعة.
الخطر هو: من يكتب الذاكرة الرقمية؟
بعد عشر سنوات لن يقرأ كثير من الشباب عشرات الكتب ليعرفوا تاريخ الإخوان المسلمين. سيضع أحدهم أمام نظام للذكاء الاصطناعي أسئلة بسيطة:
من هم الإخوان؟
ماذا قدموا؟
أين نجحوا وأين أخفقوا؟
لماذا انقسموا؟
ماذا فعلوا بعد عام 2013؟
كيف تعاملت قياداتهم مع أزمة المعتقلين؟
وماذا كان مشروعهم للخروج من واحدة من أصعب المراحل في تاريخ جماعتهم؟
وهنا يأتي السؤال الأصعب:
ماذا ستجد أنظمة الذكاء الاصطناعي موثقًا عن هذه السنوات؟
والتاريخ لن يسجل ما فعله الخصوم فقط
لن تسجل الذاكرة التاريخية والرقمية ما فعله الخصوم بالإخوان وحده.
ستسجل أيضًا كيف تعامل الإخوان أنفسهم مع الأزمة.
ستجد القتل والسجون والمطاردة والتشريد، لكنها ستبحث في الوقت نفسه عما جرى داخل الجماعة بعدها.
هل أعيد بناء المشروع والفكرة والمؤسسات؟
هل ظهرت رؤية تجمع الناس حول قضية مركزية؟
كيف عولج الانقسام؟
ما موقع المعتقلين وأسرهم في الأولويات؟
وكم من الوقت والطاقة استهلكته الصراعات الداخلية؟
هذه ليست أسئلة للمزايدة على أحد، وإنما أسئلة مسؤولية تاريخية.
فإذا أصبحت سنوات الانقسام، واستنزاف الطاقات في الخلاف الداخلي، وغياب قضية مركزية جامعة، وتراجع حضور ملف المعتقلين، من أبرز ما بقي موثقًا عن هذه المرحلة، فإن التاريخ سيضع ذلك بجانب ما تعرضت له الجماعة من ظلم وقمع.
وسيأتي يوم يسأل فيه باحث:
ماذا كانت أولويات قيادة الإخوان في سنوات أزمتهم الكبرى؟
ولن يتكون الجواب من البيانات التي كان أصحابها يتمنون أن تبقى، وإنما من مجموع الأفعال والقرارات والوثائق والمبادرات والخلافات والنتائج التي تركتها المرحلة.
فمن يتحمل مسؤولية الصورة التي ستبقى؟
هنا يصبح السؤال مؤلمًا ولكنه مشروع:
إذا كان الانشغال بالانقسام والخلاف، وغياب المشروع الجامع، وتراجع قضية المعتقلين عن المكان الذي تستحقه، هو ما ستحتفظ به الوثائق عن هذه السنوات، فمن يتحمل مسؤولية أن تصبح هذه هي الصورة التي تقرؤها الأجيال، ثم تعيد أنظمة الذكاء الاصطناعي إنتاجها بعد عشر سنوات؟
فالزمن نفسه يكتب الوثيقة.
كل سنة تمر تصبح تاريخًا.
وكل خلاف يطول يصبح جزءًا من السجل.
وكل معتقل يمضي عامًا آخر خلف القضبان تصبح معاناته جزءًا من الذاكرة.
وكل فرصة تضيع تتحول بعد سنوات إلى سؤال:
لماذا لم يُفعل شيء مختلف؟
وفي المقابل، فإن كل مراجعة جادة، وكل وثيقة تحفظ، وكل خطأ يعترف به، وكل تجربة تقيّم بإنصاف، وكل جهد حقوقي وإنساني موثق، يصبح هو الآخر جزءًا من التاريخ.
لا نريد تاريخًا دعائيًا
ليس المطلوب كتابة تاريخ يقول إن الإخوان لم يخطئوا.
مثل هذا التاريخ لا يخدم الحقيقة، ولن يصمد أمام البحث العلمي.
المطلوب ذاكرة صادقة وموثقة تحفظ القرارات والمواقف والمراجعات والنجاحات والأخطاء، وتوثق قضية المعتقلين والضحايا، وتسجل التحولات الفكرية والسياسية، وتحفظ شهادات من عاشوا الأحداث، وتتيح الوثائق الأصلية للباحثين.
فالخطر ليس فقط أن يكتب خصوم الإخوان تاريخهم.
الخطر كذلك أن يترك أصحاب التجربة فراغًا معرفيًا يملؤه الآخرون.
خمس خطوات لحماية الذاكرة
الحاجة هنا معرفية ومؤسسية، ويمكن تلخيصها في خمسة ملفات:
إنشاء وحدة متخصصة للذكاء الاصطناعي والذاكرة الرقمية تجمع بين الخبرة التقنية والتاريخية والإعلامية والقانونية.
بناء أرشيف رقمي موثق للوثائق والمواقف والمراجعات وقضايا المعتقلين، قابل للبحث ومتعدد اللغات.
إنشاء مرصد مهني للمعلومات المضللة وحملات التأثير يفرق بين النقد المشروع والحملات المنسقة غير الأصيلة.
إعداد بنك للادعاءات والوثائق يضع أمام كل قضية المصادر الأصلية، وما ثبت منها، وما بقي مختلفًا عليه، دون دعاية أو إخفاء للحقائق.
دراسة صورة الإخوان في أنظمة الذكاء الاصطناعي دوريًا ورصد الأخطاء والانحيازات وتوفير المصادر الصحيحة والموثقة للباحثين والمؤسسات التقنية.
قبل أن يكتب الآخرون القصة
الذكاء الاصطناعي لن ينتظر حتى تكتمل رواية أصحاب التجربة.
إنه يتعامل اليوم مع المادة الموجودة اليوم.
ولهذا لم يعد السؤال فقط:
من سيكتب تاريخ الإخوان؟
بل أصبح هناك سؤالان أشد خطورة:
أي تاريخ تصنعه أفعال هذه المرحلة الآن؟
وماذا ستجد أنظمة الذكاء الاصطناعي بعد عشر سنوات عندما يُطلب منها أن تروي هذا التاريخ؟
ذلك سؤال يستحق أن يقف أمامه كل من تحمل مسؤولية في هذه المرحلة.
والله المستعان.





