مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية: من يدفع الفاتورة؟ حكاية موازنة تلتهم أرزاق المصريين لحماية الديون

الموازنة العامة للدولة ليست أكوامًا من الأرقام الصامتة ولا جداول فنية مغلقة على خبراء وزارة المالية، بل هي من أكثر الوثائق السياسية والاجتماعية كشفًا لحقيقة الدولة وانحيازاتها. ففيها نعرف، بعيدًا عن الخطب والوعود: من يدفع ثمن الأزمة؟ ومن يحظى بالأولوية؟ ومن تتراجع حقوقه كلما ضاقت الموارد؟ وما الذي يتبقى للصحة والتعليم والأجور والدعم بعد أن يحصل الدين وفوائده على نصيبهما؟
ولا يمكن قراءة أرقامها بعيدًا عن حياة الناس. فالضريبة التي تبدو رقمًا في جدول قد تعني وجبة أقل على مائدة أسرة فقيرة، وزيادة سعر خدمة عامة قد تلتهم جزءًا من معاش محدود، والتضخم الذي تصفه التقارير بنسبة مئوية يعني في حياة الملايين تراجعًا حقيقيًا في الطعام والدواء والتعليم والمواصلات. أما أصحاب الثروات والأصول والعملات الأجنبية، فلديهم من أدوات الحماية ما لا يملكه موظف يعيش على راتب ثابت أو صاحب معاش ينتظر أول الشهر.
وتتضح الحقيقة أكثر في موازنة العام المالي ٢٠٢٦/٢٠٢٧. فالخطاب الرسمي يتحدث بكثافة عن «المواطن» و«بناء الإنسان» وتحسين الخدمات، لكن الأرقام تقدم اختبارًا أكثر صرامة لهذا الخطاب:
قنبلة اقتصادية تكشف تفاصيل الموازنة الجديدة وتبعاتها المعيشية الثقيلة
تبلغ إجمالي استخدامات الموازنة العامة نحو ٨٫١٨٦ تريليون جنيه، وتتضمن مصروفات بقيمة نحو ٥٫١٨٨ تريليون جنيه في العام المالي ٢٠٢٦/٢٠٢٧، وفق قانون ربط الموازنة رقم ٧٧ لسنة ٢٠٢٦، بينما تستهدف إيرادات إجمالية بنحو ٤٫٠٥٦ تريليون جنيه منها نحو ٣٫٥٢٩ تريليون جنيه حصيلة ضرائب متوقعة. وتسلط هذه القراءة النقدية الضوء على أولويات الإنفاق وتوزيع الأعباء الاقتصادية، متخذة من الإنسان ومستوى معيشته المعيار الحقيقي لنجاح السياسات المالية بعيداً عن لغة الأرقام الصماء والخطابات الرسمية التي ترفع شعارات بناء الإنسان وسط تحديات معيشية ضاغطة على الفقراء ومحدودي الدخل والطبقة الوسطى.
معضلة فوائد الدين والعبء المالي
تلتهم مدفوعات فوائد الدين وحدها نحو ٢٫٤٢٠ تريليون جنيه، وهو ما يعادل نحو ٤٦٫٦٪ من إجمالي المصروفات وتقارب ثلاثة أمثال مخصصات الأجور البالغة نحو ٨٢٣ مليار جنيه في القانون النهائي، وثلاثة أمثال مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية البالغة نحو ٨٣٧ مليار جنيه تقريباً، بينما خُصص نحو ٥٥٤ مليار جنيه للاستثمارات العامة، ويصل إجمالي سداد القروض المحلية والأجنبية إلى نحو ٢٫٨٠٨ تريليون جنيه. وأظهر التقرير المالي الشهري لوزارة المالية أن مدفوعات الفوائد بلغت نحو ١٫٤٨٣ تريليون جنيه خلال فترة السبعة أشهر الأولى التي يغطيها تقرير فبراير ٢٠٢٦، مقابل نحو ٣٧٢٫٦ مليار جنيه للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في الفترة نفسها، في حين ظلت أسعار العائد على أذون الخزانة في منتصف ٢٠٢٦ تتجاوز ٢٤ و٢٥٪ لعدد من الآجال، وسط توقعات لصندوق النقد الدولي بارتفاع معدل التضخم إلى نحو ١٦٫٧٪ في النصف الثاني من ٢٠٢٦ ونمو اقتصادي بنحو ٤٫٤٪ في العام المالي ٢٠٢٦/٢٠٢٧ مقابل استهداف حكومي بنحو ٥٫٤٪ وفائض أولي يبلغ نحو ١٫٢ تريليون جنيه يعادل نحو ٥٪ من الناتج المحلي لخفض العجز الكلي إلى نحو ٤٫٩٪ والدين إلى نحو ٧٨٪ بحلول يونيو ٢٠٢٧.
توصيات وتحذيرات مركز حريات للتصحيح المالي
يوصي مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية بضرورة وضع خطة معلنة لخفض الدين وتكلفة خدمته عبر زيادة الإنتاج والصادرات ومراجعة أولويات الاقتراض والمشروعات الكبرى، واعتبار حماية القوة الشرائية للمواطن هدفاً مالياً رئيساً، وربط زيادات الأجور والمعاشات بالتضخم الفعلي، ومكافحة التهرب الضريبي وتوسيع القاعدة دون الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة، وإصلاح منظومة الدعم والارتقاء بالخدمات الأساسية كالصحّة والتعليم، وتشكيل لجنة وطنية مستقلة لمراجعة هيكل الدين العام وأولويات الإنفاق لضمان عدالة الإصلاح المالي واستقرار الأسرة.







