حقوق وحرياتمصرملفات وتقارير

انتهى «التصديق» وبدأ التحقيق: الداخلية تحاصر فريق «متصدقش» بدمغة «اللجنة الإخوانية»

أعلنت وزارة الداخلية في بيان رسمي حاسم تفاصيل ملاحقة واستهداف منصة “متصدقش” الإلكترونية، مؤكدة أنها تُمثل لجنة إعلامية تابعة لجماعة الإخوان الإرهابية وتدار من خارج البلاد بتمويلات مالية ضخمة لاستهداف استقرار البلاد ونشر الأكاذيب والشائعات.وأوضحت الجهات الأمنية أن المتابعة الدقيقة كشفت عن إدارة الصفحة بواسطة الهارب بالخارج عبد الرحمن شكري علي عبد الجليل منصور، والذي يعاونه داخل البلاد عدد من العناصر لتصنيع الأخبار المغلوطة والمفبركة وإرسالها للخارج لنشرها مقابل أموال مشبوهة، مما أسفر عن ضبط ستة من أعضاء تلك اللجنة الإعلامية، بينهم صحفي واحد مقيد بجدول نقابة الصحفيين وخمسة آخرون غير مقيدين، مع إحاطة نقيب الصحفيين رسمياً بملابسات وخلفيات الضبط.

الداخلية تضرب منصة متصدقش وتثير عاصفة نقابة الصحفيين

تصدت نقابة الصحفيين ببيان عاجل وموقف مغاير تماماً للرواية الأمنية، حيث تعاملت مع الموقوفين باعتبارهم عاملين وصحفيين ينتمون لمنصة مهنية وليست عناصر لتنظيم محظور، وتقدمت ببلاغ رسمي للنائب العام وشكوى عاجلة لوزير الداخلية للمطالبة بالكشف الفوري عن أماكن احتجازهم وأسباب توقيفهم، وتمكينهم من حقوقهم القانونية الكاملة وحضور المحامين التحقيقات، مؤكدة استعدادها لضمان مثولهم قانونياً، وهو ما أظهر بوضوح فجوة عميقة بين السردية الأمنية الاحترازية والموقف النقابي المدافع عن الحريات المهنية.

تبرز الخلفيات التأسيسية للمنصة تضارباً صارخاً مع الاتهامات الرسمية، إذ انطلقت “متصدقش” خلال عام 2018 بمبادرة أطلقها الصحفي الراحل محمد أبو الغيط كمنصة مستقلة متخصصة في تدقيق المعلومات ومكافحة الأخبار المضللة، ويديرها فريق شاب يؤكد دائماً عدم انتمائه لأي كيانات حزبية أو سياسية، مع اتباع سياسة تحريرية تحتفظ بسرية هويات بعض المحررين لدواعٍ أمنية محضة ترتبط ببيئة العمل الصحفي المحلي، وليست تنظيماً سرياً كما جاء في البيان الأمني.

تعيد هذه التطورات للأذهان واقعة توقيف الصحفي كريم أسعد في شهر أغسطس من عام 2023 إثر نشر المنصة تحقيقاً صحفياً موسعاً حول طائرة محتجزة في دولة زامبيا، قبل أن يتم إخلاء سبيله بعد أقل من يومين بفضل تدخل نقابي مباشر، ودون أن يصاحب ذلك التوقيف في حينه أي اتهامات بالارتباط بجماعات محظورة، مما يجعل واقعة الاحتجاز الجماعي لكامل فريق التحرير الحالي تطوراً استثنائياً في مسار التعامل مع المنصات الرقمية المستقلة.

يتطابق النمط الإجرائي والخطابي لوزارة الداخلية مع بيانات أخرى صدرت في وقائع منفصلة، مثل الرد الرسمي على مركز الشهاب لحقوق الإنسان بشأن مزاعم احتجاجات ومحاولات انتحار داخل مركز الإصلاح والتأهيل في محافظة المنيا، حيث استندت الجهات الرسمية إلى ذات العبارات التوثيقية والاتهامات الموجهة لصفحات خارجية تابعة لتنظيم الإخوان لنشر الأكاذيب واختلاق الأزمات المزعومة، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مهنية حول اعتماد الأجهزة الأمنية على قوالب خطابية ثابتة لتفسير الانتقادات الإعلامية.

تظل الحقيقة الموضوعية رهناً بغياب أدلة مادية ومعلومات مستقلة تثبت أو تنفي بدقة صلة مدير المنصة المزعوم عبد الرحمن شكري بالاتهامات الموجهة إليه بعيداً عن الرواية الرسمية للوزارة، بينما تبقى الأزمة الحالية مؤشراً رئيسياً على اتساع الهوة بين أطر التأطير الأمني التي تدمج العمل الصحفي المستقل ضمن مخططات المؤامرة الخارجية، وبين التمسك النقابي بالضمانات الدستورية والقانونية لحماية الصحفيين وأداء مهامهم المهنية دون قيود استثنائية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى