مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: حرية الصحافة المفقودة في مصر.. حين يُعتقل فريق تحرير كامل


لم يكن اعتقال ستة صحفيين مجرد خبر أمني عابر، بل كان إعلاناً صريحاً بأن آخر مساحة للتحقق المستقل في مصر قد أُغلقت.

فجر الاثنين 28 سبتمبر 2026، داهمت قوات الأمن منازل ستة شباب لا يحملون سلاحاً سوى الحاسوب والدليل.

محمد أشرف، عبد الله قدري، إسلام بركات، محمد عادل، عمر هلال، ومحمد محمود.. هؤلاء ليسوا تنظيماً سرياً، هؤلاء هم كل فريق تحرير منصة “متصدقش”، المنصة التي تأسست عام 2018 لتقول جملة بسيطة ” هذا الخبر صحيح، وهذا كاذب “.

اعتقال غرفة أخبار بأكملها في 24 ساعة، واقتيادها إلى جهة غير معلومة دون السماح لها بالتواصل مع ذويها أو محاميها، كما أكدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ونقابة الصحفيين، ليس إجراءً قانونياً، إنه إخفاء لصالة تحرير كاملة.

من “متصدقش”؟
ولماذا هي مستهدفة؟
التهمة الجاهزة التي ساقتها وزارة الداخلية في بيانها يوم الخميس كانت متوقعة “الانتماء للجان الإعلامية لجماعة الإخوان، وبث أخبار مغلوطة، وتمويل من الخارج، وإدارة من الخارج عبر هارب”.

وهي تهمة ترد عليها أرشيف المنصة نفسه على مدى 8 سنوات، نشرت “متصدقش” مئات التدقيقات التي فندت أكاذيب وشائعات لوسائل إعلام محسوبة على جماعة الإخوان وتبث من الخارج.

المنصة لم تكن يوماً مع هذا الطرف أو ذاك، كانت ضد الكذب أينما كان مصدره وهذا بالضبط ما جعلها مزعجة.

“متصدقش” لم تكن تخوض في السياسة الحزبية، كانت تصحح رقماً في بيان حكومي، وتنفي شائعة عن سعر الدولار، وتكشف فبركة صورة متداولة عندما تصبح هذه هي الجريمة، فاعلم أننا أمام حرية صحافة مفقودة.

نقابة الصحفيين نفسها، وهي المؤسسة النقابية الرسمية، لم تجد ما تقوله سوى التقدم ببلاغ للنائب العام وشكوى لوزارة الداخلية للكشف عن مكان احتجاز الزملاء بيان النقابة قال بوضوح إن القبض تم “بالمخالفة للضمانات الواردة في قانون النقابة ونصوص القانون والدستور”.

عندما تضطر النقابة للسؤال عن مكان احتجاز صحفي مقيد بجداولها، فنحن لا نتحدث عن تجاوز، بل عن قاعدة جديدة.

اعتقال “متصدقش” لا يستهدف ستة أفراد فقط انها رساله لكل صحفي مستقل حتى التدقيق اللغوي والرقمي في المعلومة أصبح عملاً محظوراً إذا لم يكن مرخصاً.

المفارقة أن الداخلية اتهمت المنصة بأنها “غير مرخصة” وهل يوجد في مصر ترخيص لمنصة تدقيق حقائق؟
وهل الترخيص يمنح لمن يقول الحقيقة أم لمن يرددها كما تريد السلطة؟

اليوم، غرفة أخبار “متصدقش” صامتة صفحتها متوقفة حق الجمهور في المعرفة، الذي تحدثت عنه المنصة في بيانها الأخير، أصبح هو الآخر رهن الاعتقال.

إن حرية الصحافة في مصر لم تعد مقيدة.. إنها مفقودة وما لم يُفرج فوراً عن فريق “متصدقش” ويُكشف عن الأساس القانوني لاحتجازهم، فإن السؤال لن يعود “ماذا حدث للصحفيين؟” .

“بل “ماذا بقي من الصحافة؟”


المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى