
في الأسبوع الأخير من سبتمبر 2026، اعتقلت أجهزة الأمن المصرية ستة صحفيين من غرفة أخبار واحدة.
لم يكونوا مسلحين، ولم يخططوا لانقلاب كانوا فقط يدققون فيما يقوله المسؤولون.
منصة صغيرة تُدعى “متصدقش” أي “لا تصدّق” تأسست قبل ثماني سنوات، وكبرت لأن الناس أرادوا أن يعرفوا الحقيقة ودفعت الثمن للسبب نفسه.
أُخذ أربعة منهم من منازلهم، واثنان من الشوارع صودرت هواتفهم وحواسيبهم لم تعرف عائلاتهم أين هم، ولا ما التهم الموجهة إليهم.
ثم جاء البيان الرسمي صفحة “غير مسجلة”، يديرها “إخوان” فروا إلى الخارج، وينتجون “أخباراً كاذبة” مقابل تمويل أجنبي القصة الجاهزة، التي تُروى في كل مرة، عن كل صحفي، في كل قضية.
لكن عبد الرحمن منصور، أحد مؤسسي المنصة، نفى كل شيء قال إن اثنين من الفريق اعتُقلا في 2023، وأُفرج عنهما بعد تحقيق لم يجد أي صلة بالإخوان.
وقال بجملة بسيطة وثقيلة “من الصعب علينا أن نفهم لماذا يحدث هذا” أكثر من ثمانين منظمة حقوقية وقّعت على عريضة تطالب بالإفراج عنهم لكن في مصر، العرائض لا تفتح أبواب الزنازين.
هذه أول مرة يُعتقل فيها فريق تحرير كامل لكنها ليست المرة الأولى التي يُعتقل فيها صحفي بسبب عمله ولن تكون الأخيرة.
أنا لا أكتب هذا من موقع المراقب المحايد أكتبه وأنا أعرف أن كل كلمة فيه قد تُكلّف كاتبها شيئاً في مصر، الصحافة لم تُمنع بقرار واحد سُلبت ببطء، على مراحل، حتى صار السؤال ليس “هل أستطيع أن أنشر؟” بل “هل يستحق هذا النشر ما قد يحدث لي؟”.
صنّفت “مراسلون بلا حدود” مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 هذا ليس رقماً مجرداً هذا يعني أن الصحفي المصري يعمل في واحدة من أكثر البيئات قسوة في العالم يعني أن كل مقال، كل تحقيق، كل صورة، تُحسب قبل أن تُنشر.
وتُدرج لجنة حماية الصحفيين مصر ضمن الدول الأكثر احتجازاً للصحفيين 26 صحفياً على الأقل خلف القضبان بسبب عملهم 38 بحسب إحصاء آخر بينهم من لم يصدر بحقه حكم بعد بينهم من ينتظر منذ سنوات.
خُذ حمدي. المصور حمدي مختار علي، المعروف بـ”حمدي زعيم”. اعتُقل في سبتمبر 2016 أثناء تغطيته أمام نقابة الصحفيين أمضى عامين في الحبس الاحتياطي، ثم أُفرج عنه في 2018 بشرط أن يذهب إلى قسم الشرطة بانتظام ذهب التزم وفي يناير 2021، وهو يخرج من قسم الشرطة، اعتُقل مرة أخرى.
عشر سنوات وهو “محتجز” بلا حكم نهائي أربع جلسات، ولم يقابل قاضياً أو محامياً كما يقول في أي منها لا دليل مادي لا واقعة محددة فقط تقرير أمني وهو مريض بالسكري والضغط والانزلاق الغضروفي أب لأربعة أطفال وهو المصدر الوحيد لدخل أسرته.
في أي نظام قضائي في العالم، الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي ومؤقت في مصر صار هو العقوبة الحكم الوحيد الذي صدر في قضية حمدي هو الوقت الذي مضى.
الأمر لا يتوقف عند الاعتقال ففي 2018، صدر قانون يمنح الأجهزة صلاحية مراقبة أي حساب على مواقع التواصل يتابعه أكثر من خمسة آلاف شخص في 2026، صدر قانون جديد يُلزم الصحف الإلكترونية بدفع رسوم ترخيص “مراسلون بلا حدود” وصفت هذا بأنه “ابتزاز” تخيل الصحفي الآن يجب أن يدفع ليعمل.
وقال خالد البهي، رئيس لجنة الصحافة في نقابة الصحفيين، جملة في البرلمان تلخص كل شيء المادة 12 من قانون 2018، التي تشترط تصريحاً مسبقاً للتصوير في الشوارع، “كارثة للعمل الصحفي”.
ثم أضاف “سُلب منا الإمكانية لتغطية الحياة العامة، ولم يبق أمامنا سوى أخبار الجنازات”.
أخبار الجنازات هذه هي الصحافة حين تُسلب منها الحياة.
كل القنوات والصحف الكبرى إما للدولة، وإما لرجال أعمال لا يختلفون كثيراً عن الدولة و المواقع المستقلة محجوبة.
“مدى مصر” محجوب منذ 2017 “متصدقش” محجوب الحقيقة نفسها صارت محجوبة.
لكن السؤال الذي يطاردني ليس “كيف وصلنا إلى هنا؟”.
السؤال هو ماذا يعني أن تعمل صحفياً في بلد لا يريدك فيه؟
يعني أن تكتب وأنت تعرف أن ما تكتبه قد لا يُقرأ يعني أن تتحقق من خبر وأنت تعرف أن التحقق نفسه قد يكون جريمة يعني أن تنشر وأنت تحسب هل سأعود إلى بيتي الليلة؟
الصحافة ليست ترفاً ليست “قطاعاً” يمكن ضبطه بقانون الصحافة هي الطريقة التي يعرف بها الناس ما يحدث حولهم حين تُسلب هذه الطريقة، لا يبقى الناس جاهلين فقط يبقون وحدهم كل واحد في غرفته، يحدّق في شاشة، لا يعرف إن كان ما يراه حقيقياً أم لا وهذا بالضبط ما تريده السلطة شعب لا يثق بشيء، لأن الثقة نفسها خطر.
في النهاية، الاعتقالات لن توقف الحقيقة لكنها تجعل ثمن قولها باهظاً والثمن الباهظ يعني أن عدداً أقل سيقولها وهذا هو الهدف.
أكتب هذا وأنا أعرف أنني قد لا أستطيع أن أنشره في مصر لكنني أكتبه لأن الصمت ليس خياراً لأن غرفة الأخبار الصامتة ليست غرفة فارغة هي غرفة مليئة بأصوات لم تُسمع بعد وعندما يعود الصحفيون، ستُسمع.







