مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: المعتقلون في مصر.. أما آن لهذه المحنة أن تنتهي؟

في بيوت المعتقلين، يُقاس الزمن بالانتظار. عيد يمرّ ومقعد يظل خاليًا، وطفل يكبر ويتمنى أن يجد أباه إلى جواره، وأم تتعلق بصوت عند الباب، وزوجة تحمل أعباء الحياة وتداري حزنها حتى تُطمئن أبناءها.

سنوات طوال مضت، وتركت في النفوس والبيوت آثارًا عميقة. وخلف كل اسم حكاية إنسان، وأسرة تحاول أن تواصل الحياة، وأحبة يرجون يومًا يجتمع فيه الشمل وتستريح فيه القلوب.

أما آن لهذه المحنة أن تنتهي؟ أما آن أن يعود الغائبون إلى أسرهم، وأن يجد هذا الملف طريقًا جادًّا إلى الحل، يضع كرامة الإنسان وحقوقه في موضعها المستحق؟

إن إنهاء هذه المعاناة أولوية إنسانية ووطنية. فحرية الإنسان حق، وصون كرامته واجب، والاختلاف في الرأي لا يسقط حقه في الإنصاف والأمان. والسنوات التي تمضي من عمره لا يمكن استعادتها، لكنها تزيد مسؤوليتنا عن وقف المعاناة وجبر آثارها.

وفي مصر مساحة واسعة يمكن أن يلتقي فيها الجميع على هذه المعاني، مهما اختلفت مواقفهم. فعودة المعتقل إلى أسرته تعيد الطمأنينة إلى بيت، وتخفف عبئًا عن أبناء، وتفتح بابًا لاستعادة الثقة. وكل خطوة منصفة في هذا الاتجاه تحمل خيرًا للناس وللوطن.

وفي قلب هذه المحنة تقف النساء المعتقلات، ومعاناتهن تدمي القلوب. لكل واحدة منهن حياتها التي انقطعت، وأحبتها الذين ينتظرونها، وحقها الكامل في الحرية والكرامة والسلامة. وبينهن أمهات يتطلعن إلى احتضان أبنائهن، وبنات يتمنى أهلهن أن يروهن آمنات في بيوتهن.

إن الإفراج عن النساء المعتقلات بسبب الرأي أو النشاط السلمي ضرورة إنسانية لا تحتمل مزيدًا من الانتظار. وقضيتهن تستحق حضورًا واضحًا في كل مسعى لإنهاء هذه المحنة، مع الاهتمام العاجل بالمرضى وكبار السن، والعمل على الإفراج عن كل من حُرم حريته ظلمًا، ومراجعة الحالات بجدية وإنصاف.

والإنصاف يمتد إلى ما بعد العودة؛ فهناك صحة تحتاج إلى رعاية، ونفوس تحتاج إلى جبر، وأسر تحملت أعباء ثقيلة. ومن حق هؤلاء أن يجدوا ما يعينهم على استعادة حياتهم، ويعالج آثار المحنة، ويمنع تكرارها.

وهذا السعي مسؤولية الشعب، كل الشعب، كلٌّ بحسب استطاعته وموقعه. يستطيع المحامي أن يدافع عن الحقوق، والكاتب والإعلامي أن يعرضا القضية بصدق وإنصاف، والعالم أن يذكّر بحرمة الظلم وواجب رفعه، وأهل الخير أن يسندوا الأسر ويحفظوا كرامتها.

ولكل مواطن نصيب يستطيع أن يبذله: كلمة مسؤولة، أو مساعدة قانونية، أو رعاية لأبناء غاب آباؤهم، أو سعي حكيم لدى من يملك أن يفتح بابًا للحل. فالجهود السلمية المتواصلة تمنح التعاطف أثرًا، وتُشعر الأسر بأنها ليست وحدها في الطريق.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فُكُّوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض»؛ رواه البخاري. والعاني هو الأسير. وفي هذا التوجيه النبوي حث على السعي في تخليصه من أسره، ومعنى يوقظ فينا الرحمة والمسؤولية تجاه الإنسان المقيّد. فلنجعل لهذه الرحمة أثرًا في عملنا، ولنبذل من أسباب تفريج الكرب ما نستطيع.

ومن هنا، أضم صوتي إلى أصوات أبناء الوطن الذين ينادون بأن يكون لفضيلة شيخ الأزهر دور مؤثر في السعي لإنهاء محنة المعتقلين وأسرهم. فمكانة فضيلتكم الدينية والأخلاقية تجعل لكلمتكم ولمساعيكم وزنًا يمكن أن يفتح أبوابًا للخير، ويقرّب حلولًا تحفظ الحقوق وتجمع شمل الأسر.

وإننا نرجو أن يكون لفضيلتكم نصيب واضح من هذا السعي؛ بالتذكير بواجب الإنصاف ورفع الظلم، وبذل المساعي للإفراج عن المعتقلين بسبب آرائهم ومواقفهم السلمية، مع عناية خاصة بقضية النساء. فكم من قلب قد تسنده كلمة صادقة، وكم من أسرة قد تستعيد طمأنينتها بمسعى مخلص.

وإلى المعتقلين والمعتقلات وأسرهم أقول: إن طول الانتظار لا يُنقص من حقكم، ولا يُغلق أبواب الرجاء. نعلم أن الكلمات لا تعوّض سنوات الغياب، لكننا نرجو أن تحمل إليكم ما يسند القلب، وأن تقترن بسعي يخفف المعاناة ويقرّب الفرج.

إن انقطعت أسباب الأرض، فلن تنقطع أسباب السماء.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

قالها يعقوب عليه السلام وهو يحمل وجع الفقد، وأمر أبناءه أن يذهبوا ويتحسسوا من يوسف وأخيه. اجتمع في قلبه الرجاء بالله، وفي توجيهه الحث على السعي. وهكذا نحفظ الأمل: نطرق أبواب الفرج، ونتعاون على الخير، ونرفع حاجتنا إلى الله.

ولا يعيب المكلوم أن يحزن، ولا الأم أن تبكي، ولا الأسرة أن تتعب من الانتظار. الحزن لا ينفي الإيمان، وطلب الحق لا يناقض الصبر. وما أحوج أهل المحنة إلى من يسمعهم برحمة، ويسندهم بعون، ويحفظ في قلوبهم فسحة للرجاء.

والبشارة التي نحملها أن باب الدعاء مفتوح، وأن الله يسمع نجوى القلوب، وأن رحمته أوسع من ضيقنا. لا نعلم موعد الفرج، لكننا نرجوه ونسعى إليه، ونثق أن الله قادر على أن يهيئ له أسبابًا لا نراها اليوم.

اللهم فرّج كرب المعتقلين والمعتقلات، واشفِ مرضاهم، واجبر قلوب أسرهم، واحفظ أبناءهم، واجمعهم بأحبتهم سالمين مكرّمين. اللهم أعنّا على رفع الظلم وتفريج الكرب، وألهم كل من يملك أن يفتح بابًا للحل العدل والرحمة والحكمة.

أما آن لهذه المحنة أن تنتهي؟

نرجو أن يأتي الجواب قريبًا؛ عودةً تطمئن بها أم، ولقاءً يستريح به طفل، وباب بيت يُفتح لغائب طال انتظاره.

وحتى يأتي ذلك اليوم، فلنبذل جميعًا ما نستطيع، وليبقَ في قلوبنا هذا الرجاء: إن انقطعت أسباب الأرض، فلن تنقطع أسباب السماء.

إسلام الغمري

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى