بيوت بلا سكينة.. حين تصبح المحاكم العراقية ملاذا أخير لضحايا الخراب الأسري

أكدت ناشطات ومدافعات عن حقوق المرأة أن تفاقم معدلات الطلاق في العراق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والأسرية، وتصدرت قائمة تلك الأسباب تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة، فضلاً عن الزواج المبكر. توضح الفاعليات النسويات أن المعالجة الحقيقية لهذه المعضلة لا تبدأ قط من قاعة المحكمة، بل تنطلق أساساً من تحسين الظروف الاقتصادية، وتوفير آليات فعالة للإصلاح الأسري، إضافة إلى ضمان تسجيل الزيجات بصورة قانونية تضمن حماية حقوق جميع أفراد الأسرة.
شهدت حالات الطلاق في العراق تصاعداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة في ظل تعدد الأسباب المؤدية إليها، ووفق الإحصائيات الرسمية، سجل شهر أغسطس 2026 نحو 5,775 حالة طلاق، بمعدل حالة واحدة كل ثوابت الدقائق الثماني، مما يعكس اتساع الظاهرة وحاجتها الماسة إلى معالجة تتجاوز مجرد التعامل مع نتائجها إلى البحث العميق في جذورها الاجتماعية والاقتصادية. عززت المهتمة بشؤون المرأة الدكتورة بشرى الزويني هذا الارتفاع إلى مجموعة من المتغيرات التي طرأت على المجتمع العراقي، وفي مقدمتها التحول الجذري في منظومة القيم والعادات الاجتماعية.
أزمة الطلاق في العراق.. تفاصيل تصاعد المعدلات ودعوات لإصلاح منظومة التأهيل الأسري
بينت الدكتورة بشرى الزويني أن الطلاق كان في السابق من الحالات المحدودة للغاية داخل المجتمع العراقي، سواء عندما تطلبه المرأة أو يقدم عليه الرجل، إلا أن التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع، إلى جانب الانفتاح المتسارع وانتشار مواقع التواصل الافتراضي، جعلت اتخاذ قرار الانفصال أكثر سهولة لدى بعض الأزواج. أشارت إلى أن بعض الأشخاص يدخلون الحياة الزوجية من دون امتلاك القدرة الكافية على تحمل مسؤولياتها، ثم يجدون في الطلاق مخرجاً سريعاً عند أول أزمة، بدلاً من محاولة معالجة الخلافات والبحث عن حلول جذرية لها، مبينة أن مواقع التواصل الافتراضية أصبحت عاملاً إضافياً في تفاقم الخلافات الزوجية، خصوصاً مع اتساع استخدام الهواتف النقالة وتزايد المشكلات المرتبطة بها.
أوضحت الزويني أن الضغوط الاقتصادية والبطالة والسكن مع أهل الزوج تمثل عوامل مؤثرة بشكل مباشر في استقرار الحياة الزوجية، لا سيما عندما يترافق السكن المشترك مع تدخلات مستمرة في تفاصيل العلاقة بين الزوجين. لفتت إلى أن تدخل الأهل قد يكون إيجابياً عندما يهدف حصراً إلى الإصلاح واحتواء الخلافات، إلا أن بعض التدخلات قد تدفع باتجاه الانفصال من خلال تقديم نصائح متسرعة من قبيل “طلقها وأخلص”، الأمر الذي يعزز ثقافة الاستسهال في التعامل مع الطلاق. ذكرت أيضاً أن بعض الأسر ما زالت تنظر إلى الزواج بوصفه وسيلة للستر والحماية، فتدفع أبناءها إليه في سن مبكرة من دون التأكد من قدرتهم على تحمل مسؤولياته، وقد يكتشف الزوجان بعد فترة قصيرة أن الحياة الزوجية تختلف جذرياً عن الصورة المرتبطة بحفل الزفاف والمظاهر الاحتفالية، وأنها تقوم بالدرجة الأولى على الالتزام والتفاهم وتحمل المسؤولية.
أكدت الدكتورة بشرى الزويني أن الطلاق لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلات، بل قد يكون البداية الفعلية لسلسلة أخرى من الالتزامات، خصوصاً في حال وجود أطفال، وما يترتب على ذلك من نفقة ودعاوى وإجراءات قضائية وتبعات اجتماعية ونفسية. ترى الزويني أن مواجهة ارتفاع معدلات الطلاق تتطلب دوراً أكبر من المؤسسات المعنية، من خلال إنشاء مؤسسات وبرامج متخصصة لتأهيل المقبلين على الزواج على غرار تجارب مطبقة في عدد من الدول. أكدت على ضرورة توعية الرجال والنساء بطبيعة الحياة الزوجية ومتطلباتها، وتعزيز مفاهيم التفاهم والإخلاص والشراكة وتحمل المسؤولية، موضحة أن وجود الخلافات داخل الأسرة أمر طبيعي، لكن التعامل معها ينبغي ألا يبدأ بالبحث عن الطلاق بوصفه الحل الأول.
أشارت إلى أن بعض قضايا الطلاق التي تصل إلى المحاكم تبدأ بخلافات تبدو بسيطة للغاية، مثل النزاع على مصروف المنزل أو وجبة طعام أو تدخل أحد أفراد العائلة، لكنها قد تتفاقم بشكل خطير إذا غاب الحوار والتدخل الإصلاحي. شددت على أن بناء الوعي بمسؤولية الزواج يمثل أحد أهم مسارات المعالجة، قائلة إن الأسرة مؤسسة تحتاج إلى أفراد مؤهلين لإدارتها، وإن إعداد المقبلين على الزواج لهذه المسؤولية يمكن أن يسهم في الحد من كثير من الخلافات، داعيةً إلى تعزيز دور الأهل في الإصلاح الإيجابي، والاستعانة بأهل الخير والحكمة من جانبي الزوجين قبل الوصول إلى قرار الانفصال، ولا سيما في الحالات التي تكون فيها الخلافات قابلة للمعالجة والتسوية.
تفعيل دور الباحث الاجتماعي ومخاطر الزواج خارج المحاكم
أكدت الدكتورة بشرى الزويني على أهمية تفعيل دور الباحث الاجتماعي في المحاكم، ومنحه مساحة أكبر للتدخل الفاعل في القضايا الأسرية، مشيرة إلى أنها تمكنت بحكم عملها في مجال شؤون المرأة من المساهمة في إصلاح عدد من الخلافات الزوجية بصورة فردية. لفتت إلى وجود حاجة ملحة لتحسين البيئة التي تتم فيها معالجة النزاعات الأسرية داخل المحاكم، من خلال توفير غرف مخصصة للتفاهم والإصلاح بين الزوجين، والاستفادة من تجارب دول أخرى، من بينها الأردن، التي تتضمن أماكن مخصصة للتعامل مع مثل هذه الحالات إلى جانب وجود باحثين اجتماعيين متخصصين. ترى أن توفير مثل هذه الإمكانات يمكن أن يمنح الأزواج فرصة حقيقية للحوار بعيداً عن أجواء النزاع القضائي، وقد يساهم بفاعلية في احتواء بعض الخلافات قبل تحولها إلى قرارات نهائية بالانفصال.
من جانبها، أكدت المحامية إسراء الخفاجي أن تدخل الأهالي والضغوط الاقتصادية واختلاف البيئة الاجتماعية بين الزوجين تعد من أبرز العوامل التي قد تؤدي إلى تفاقم الخلافات، مشيرة في الوقت نفسه إلى قضية أخرى بالغة الأهمية لا تحظى بالاهتمام الكافي، وتتمثل في حالات الزواج والطلاق خارج المحاكم. بينت أن عدم تسجيل الزواج بصورة قانونية يحرم كثيراً من النساء من حقوقهن الأساسية نتيجة غياب الوثيقة الرسمية التي تثبت العلاقة الزوجية وما يترتب عليها من حقوق والتزامات. أوضحت أن الزواج غير المدروس، ولا سيما زواج القاصرين أو ارتباط أشخاص لم يصلوا بعد إلى مستوى كافٍ من النضج وتحمل المسؤولية، يمثل عاملاً رئيسياً آخر في ارتفاع احتمالات الطلاق، مؤكدةً أن معيار الزواج الناجح لا ينبغي أن يقتصر على بلوغ سن معينة، بل يجب أن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى استعداد الشخص نفسياً واجتماعياً واقتصادياً لتحمل مسؤولية تكوين الأسرة وإدارتها.
شددت المحامية إسراء الخفاجي على ضرورة وضع ضوابط وشروط واضحة وحاسمة لعقد الزواج، بحيث لا يكون الإقدام عليه قائماً على الرغبة الآنية أو الضغوط الاجتماعية، وإنما على الاستعداد الفعلي لتحمل المسؤوليات الكبيرة التي تترتب على تكوين الأسرة. قالت إن وجود إجراءات وشروط مسبقة يمكن أن يساهم بصورة فعالة في الحد من حالات الزواج غير المدروسة، وخصوصاً زواج القاصرين أو الزواج في ظل غياب القدرة التامة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، مشيرةً إلى أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تحقيق توازن دقيق بين الحق في الزواج وبين ضرورة التأكد من توافر مقومات أساسية للاستقرار الأسري، مع تعزيز الوعي القانوني والاجتماعي لدى المقبلين على الزواج لضمان استدامة الروابط الأسرية.




