
لا يمكن النظر إلى التطورات الأخيرة بين إثيوبيا ومصر باعتبارها تقف عند حدود تبادل طرد الدبلوماسيين، كما لا يمكن فصلها عن التصعيد المتزامن بين أديس أبابا وأسمرا. فقد أعلنت إثيوبيا في 1 تشرين الأول/أكتوبر إغلاق سفارتها في أسمرا وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، متهمة إريتريا بأعمال عدائية مباشرة وغير مباشرة، قبل أن تعلن أسمرا قطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا. وفي اليوم نفسه، أعلنت إثيوبيا دبلوماسياً مصرياً شخصاً غير مرغوب فيه وأمهلته 48 ساعة للمغادرة.
لكن التطور الأكثر دلالة بالنسبة إلى القاهرة ليس الإجراء الدبلوماسي في حد ذاته، وإنما توقيته وسياقه. فقد جاءت الخطوة في وقت تشهد فيه إثيوبيا تجدداً للقتال في الشمال، خصوصاً في تيغراي ومناطق مجاورة، بعد عودة المواجهات بين القوات الفيدرالية وقوى مسلحة معارضة، بالتزامن مع تشكيل تحالفات جديدة وارتفاع مستوى التوتر بين الحكومة المركزية وقوى إقليمية مسلحة. وكان الاتحاد الأفريقي قد حذر في أيلول/سبتمبر من تصاعد القتال في شمال إثيوبيا، ودعا إلى خفض التوتر والعودة إلى الحوار.
الأزمة الداخلية والخطاب الأمني الإقليمي
وضع إثيوبيا لإريتريا والسودان ومصر في سياق أمني واحد يعكس اتساع دائرة المخاطر التي ترى أديس أبابا أنها تواجهها في محيطها الإقليمي
في هذا السياق، لم تعد أديس أبابا تقدم الأزمة باعتبارها شأناً داخلياً خالصاً. فقد اتهمت إريتريا والسودان ومصر بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير تيغراي، وهي اتهامات نفتها الدول الثلاث. ومن ثم، فإن أحد أهم جوانب التطور الأخير يتمثل في أن مصر أصبحت حاضرة بوضوح في الخطاب الأمني الإثيوبي المرتبط بالأزمة الداخلية، وليس فقط في ملف الخلاف حول مياه النيل وسد النهضة.
وهنا ينبغي التوقف عند نقطة دقيقة في التطور الراهن. فإثيوبيا لم تعلن، في المذكرة المنشورة بشأن الدبلوماسي المصري أحمد محرم أحمد سليمان، سبباً محدداً لإعلان شخصه غير مرغوب فيه، واكتفت بالإشارة إلى الإجراء وفق اتفاقية فيينا ومنحه 48 ساعة للمغادرة. وهذا يختلف عن صياغتها بشأن الدبلوماسيين الإريتريين، إذ تحدثت صراحة عن أنشطة قالت إنها تمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
ومن ثم، لا يمكن الجزم بأن طرد الدبلوماسي المصري كان نتيجة مباشرة للاتهامات الإثيوبية للقاهرة بدعم المعارضة، لكنه جاء في سياق سياسي يجعل الربط بين التطورين ممكناً، من دون أن يكون مثبتاً رسمياً. وهذه التفرقة مهمة؛ لأن تحويل الاتهام الإثيوبي إلى حقيقة مؤكدة سيكون تجاوزاً لما تسمح به المعلومات المتاحة حتى الآن.
الدبلوماسية المصرية ورسائل “المعاملة بالمثل”
القاهرة، من جانبها، اختارت الرد بالمثل، فأعلنت منح مستشار في السفارة الإثيوبية بالقاهرة 48 ساعة للمغادرة، ووصف مصدر مصري القرار الإثيوبي بأنه غير مبرر ومؤسف، مع تأكيد رفض مصر التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
واللافت أن الرد المصري لم يتطور، حتى الآن، إلى قطع للعلاقات أو إلى تصعيد سياسي أوسع، وإنما بقي في إطار المعاملة بالمثل. ووفق ما ظهر علناً، فإن القاهرة تعاملت مع الخطوة الإثيوبية باعتبارها تصعيداً دبلوماسياً ينبغي الرد عليه، مع إبقاء العلاقات الرسمية قائمة. وهذا يوضح، في حدود ما هو معلن، أن الخلاف لم ينتقل حتى الآن إلى مستوى القطيعة، ومن ثم يبقى من المبكر الحديث عن مواجهة مفتوحة بين البلدين.
لكن خلف هذا التبادل الدبلوماسي توجد طبقة أعمق من المشهد. فالتوتر الإثيوبي الإريتري يرتبط أيضاً بالخلافات حول موقع إثيوبيا في البحر الأحمر ومسألة وصولها إلى البحر، وهي قضية تضيف بعداً استراتيجياً إلى الأزمة، وإن لم يكن من الممكن اعتبارها وحدها سبباً مباشراً للتصعيد الحالي. كما أن وضع إثيوبيا لإريتريا والسودان ومصر في سياق أمني واحد يعكس اتساع دائرة المخاطر التي ترى أديس أبابا أنها تواجهها في محيطها الإقليمي.
ما بعد سد النهضة: اتساع التنافس الإقليمي
وهنا تظهر أهمية التطور بالنسبة إلى مصر تحديداً، فالعلاقة المصرية الإثيوبية ظلت خلال السنوات الماضية متمحورة بدرجة كبيرة حول ملف النيل وسد النهضة، مع بعض الامتدادات الإقليمية الأخرى. أما الآن، فإن الأزمة الداخلية الإثيوبية نفسها بدأت تتقاطع مع تصور أديس أبابا لعلاقاتها الإقليمية، وأصبحت القاهرة حاضرة في هذا التقاطع، سواء اتفقت مع الرواية الإثيوبية أو رفضتها.
هل يتحرك الخلاف بين البلدين إلى مساحة أوسع من ملف المياه، بحيث يصبح جزءاً من تنافس أمني وإقليمي متعدد الملفات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟
ومن هنا يبرز تساؤل أكثر أهمية من مجرد معرفة ما إذا كان التوتر الدبلوماسي الحالي بين القاهرة وأديس أبابا سيستمر أم لا: هل يتحرك الخلاف بين البلدين إلى مساحة أوسع من ملف المياه، بحيث يصبح جزءاً من تنافس أمني وإقليمي متعدد الملفات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية لأن الاتحاد الأفريقي نفسه تعامل مع التطور باعتباره توتراً يجمع إثيوبيا وإريتريا ومصر، ودعا الدول الثلاث إلى أقصى درجات ضبط النفس، والحفاظ على قنوات الاتصال، وتسوية الخلافات عبر الوسائل الدبلوماسية والحوار السلمي.
حتى الآن، لا توجد معطيات كافية للقول إن الأزمة تتجه حتمياً إلى مواجهة مباشرة بين مصر وإثيوبيا، كما أن المعلومات المعلنة لا تسمح بتحديد السبب الفعلي وراء طرد الدبلوماسي المصري. لكن الواضح أن طبيعة العلاقة تواجه متغيراً جديداً؛ إذ أصبح التنافس المصري الإثيوبي يتقاطع بصورة أوضح مع التحولات الأمنية في القرن الأفريقي.
وهذه، من وجهة نظرنا، ربما تكون أهم دلالة في التصعيد الأخير. فكلما طال أمد الأزمة الداخلية الإثيوبية واتسعت دوائرها الإقليمية، ازدادت صعوبة إبقاء الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا محصورة في ملف سد النهضة وحده. وعند هذه النقطة، يصبح الحفاظ على قنوات الاتصال ومنع انتقال التوتر إلى ملفات أمنية أوسع مصلحة تتجاوز الطرفين، وتمس استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر ككل.







