الدكتور أيمن نور يكتب: عمرو موسى.. 90 عاما والحضور أبقى من السنين

بعض الأعمار تقاس بعدد السنين، وبعضها بما تركته السنين في حياة وطن. وفي الثالث من أكتوبر، أتم الأستاذ عمرو موسى عامه التسعين. تسعون عاما لا تبدو في سيرته رقما في شهادة ميلاد، بقدر ما تبدو رحلة طويلة عبر مصر والعرب والعالم، من زوايا ومواقع ومسؤوليات مختلفة، بقي فيها الرجل حاضرا، وبقيت مصر هي الثابت الذي تتغير حوله المواقع ولا يتغير.
وأنا أكتب عنه في التسعين، لا أريد أن أستدعي الماضي بوصفه زمنا انقضى، ولا أن أفتح دفاتر السياسة القديمة لأحصي ما اتفقنا عليه وما اختلفنا حوله. أريد فقط أن أحتفل بصديق عزيز، ورجل دولة كبير، وإنسان عرفته عن قرب، ورأيت فيه من الدفء بقدر ما رأيت من الصرامة، ومن خفة الروح بقدر ما عرفت عنه من الجدية، ومن أناقة الدبلوماسي بقدر ما يحمل داخله من عناد المصري عندما يتعلق الأمر بما يراه حقا لبلاده.
تسعون عاما، والرجل ما زال بيننا حاضرا برأيه وموقفه وخبرته. نتفق معه أحيانا، ونختلف أحيانا، لكننا لا نستطيع أن نتجاهل أن وراء كل كلمة يقولها تراكم تجربة طويلة، وأن وراء كل موقف تاريخا من الاحتكاك المباشر بصناعة القرار، لا قراءته من بعيد.
دخل عمرو موسى الدبلوماسية شابا، وانتقل بين مواقعها حتى صار واحدا من أبرز وجوه الخارجية المصرية، ثم وزيرا للخارجية، قبل أن ينتقل إلى أمانة جامعة الدول العربية، ليصبح اسمه لسنوات جزءا من تفاصيل مرحلة عربية شديدة الاضطراب والتعقيد.
لكنني عرفته، قبل كل هذه العناوين الكبيرة، من زاوية أخرى.
كان أول اقتراب حقيقي بيننا في شتاء عام ١٩٩٥، عندما رافقته إلى غزة لحضور افتتاح أول برلمان فلسطيني على الأرض. كانت رحلة قصيرة بحساب المسافة والزمن، لكنها بقيت طويلة في ذاكرتي.
توقفنا عند معبر رفح. تأخر دخولنا، وطال الانتظار. كان الوفد صغيرا، والصمت أكبر من عددنا. وبعد نحو عشرين دقيقة، قطع عمرو موسى الصمت بكلمات حاسمة، طالب بنقلها إلى الجانب الإسرائيلي: أن أي مسؤول إسرائيلي يصل القاهرة سيبقى منتظرا المدة نفسها.
ظننت للحظة أنها غضبة عابرة، ثم أدركت أن الرجل لا يطلق كلماته بلا حساب. كانت تلك واحدة من اللحظات التي تعرف فيها الإنسان أسرع مما تعرفه في عشرات الاجتماعات. رأيت أمامي دبلوماسيا يعرف قيمة الكلمة، ويعرف أيضا أن الكلمة التي لا يسندها فعل تتحول سريعا إلى مجرد صوت.
ومنذ ذلك الوقت توالت اللقاءات، واقتربت المسافات الإنسانية والفكرية بيننا. جمعتنا اجتماعات كثيرة، وحوارات أطول، ومواقف اتفقنا فيها وأخرى تباينت فيها رؤيتنا، لكن بقي بيننا شيء أكثر أهمية من الاتفاق السياسي الكامل: الاحترام والثقة.
أحببت في عمرو موسى أنه لم يكن نسخة باهتة من موقعه. كانت له شخصيته التي تسبق المنصب أحيانا وتبقى بعده. وكان له حضور جعل اسمه، في مرحلة من المراحل، يخرج من غرف الدبلوماسية إلى الشارع المصري، حتى أصبحت مواقفه وحديثه جزءا من المزاج العام في مصر.
وأشهد، لا مجاملة في عيد ميلاد، أنني أحببت هذا الرجل منذ سنوات بعيدة، وما تبدل هذا الشعور بتبدل المواقع والظروف. أحببت فيه السياسي الواعي، والدبلوماسي المتمرس، والإنسان الرقيق الذي يملك قدرة نادرة على الإصغاء، ويملك أيضا روحا ساخرة تظهر فجأة من وراء وقار الدبلوماسية.
وأحفظ له، فوق ذلك، مواقف شخصية لا تحتاج إلى إعلان. دعم وتشجيع وثقة عبّر عنها في لحظات مختلفة، وفي حضور من كانوا يعرفون أن المجاملة لم تكن مطلوبة ولا منتظرة.
فالسياسة تقدم لنا كل يوم عشرات أصحاب المناصب، لكن الأيام وحدها هي التي تكشف لنا أصحاب المواقف. والمنصب قد يصنع شهرة صاحبه لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يصنع له مكانا في ذاكرة الناس إذا لم يكن وراءه ما يستحق أن يذكر.
اختلفت مع عمرو موسى في بعض الخيارات والتقديرات، وربما اختلف معي هو أيضا في مثلها. وليس في ذلك ما ينتقص من صداقة أو احترام، بل ربما كان العكس هو الصحيح. فما قيمة علاقة لا تحتمل خلافا، وما قيمة احترام مشروط بأن يرى الآخر الدنيا من النافذة نفسها التي نراها منها؟
لكنني، عبر هذه السنوات كلها، رأيت في مجمل خياراته ومواقفه انحيازا إلى الدولة المصرية ودورها، وإلى ضرورة بقاء مصر دولة كبيرة بقدر تاريخها ومكانتها، وإلى عروبة لا تلغي الوطنية المصرية، بل توسع مجالها وتمنحها امتدادها الطبيعي.
واليوم، بعد تسعين عاما، لا أراه رجلا ينتمي إلى الماضي. فبعض البشر يتقاعدون من وظائفهم، لكنهم لا يتقاعدون من خبرتهم. وقد اختير في أغسطس الماضي رئيسا لمجلس أمناء جامعة طنطا الأهلية، في إشارة لها معناها إلى استمرار حضوره في المجال العام، وإلى أن ما تراكم عبر العقود يمكن أن يظل قادرا على العطاء في مجالات جديدة.
وربما لهذا السبب تحديدا أردنا ألا تمر التسعون كرقم عابر.
أردنا أن نقول للأستاذ عمرو موسى، وهو بيننا يسمع ويرى ويبتسم ويعترض وربما يسخر أيضا، ما اعتدنا للأسف أن نقوله عن الرجال بعد أن يغيبوا.
أردنا للوفاء أن يسبق الغياب.
ولهذا، سنزيح الستار في معرض الشرق بمتحف الشرق عن تمثال أعددناه له بمناسبة بلوغه التسعين.
والتمثال هنا ليس حجرا يصنع مجدا. فالرجال لا تصنعهم التماثيل، ولا تحفظهم الأحجار إذا عجزت الذاكرة عن حفظهم. لكنه علامة محبة، وإشارة وفاء، ومحاولة بسيطة لأن نقول لرجل أعطى من عمره الكثير للعمل العام: نحن نراك، ونقدر الرحلة، ونحتفي بك وأنت بيننا.
وأتصور اللحظة بابتسامة.
عمرو موسى واقف أمام تمثال عمرو موسى.
ينظر إليه بتلك النظرة التي أعرفها، وربما يقترب قليلا ليتفحص التفاصيل، ثم يختلف معنا في شيء من ملامحه، أو يسخر من زاوية اختارها النحات، أو يسألنا لماذا جعلناه أكثر جدية مما ينبغي.
وهذا وحده هو المعنى الجميل كله.
أن نكرم الأحياء وهم قادرون على استقبال المحبة.
أن نقول شكرا قبل أن تصبح الكلمة رثاء.
وأن نصنع تمثالا لرجل، بينما الرجل نفسه قادر على أن يقف إلى جواره، ويختلف معنا حوله.
تسعون عاما يا أستاذ عمرو.
فيها ما يكفي من الأفراح والأوجاع، والانتصارات والخيبات، والمواقع التي جاءت وأخرى مضت، والوجوه التي عبرت، والأصدقاء الذين بقوا، وأصدقاء رحلوا، وأحلام تحققت، وأخرى لا تزال تنتظر دورها.
لكن أجمل ما في التسعين أنها لم تأت بك إلى مقعد المتفرج.
ما زال لديك رأي تقوله.
وموقف تدافع عنه.
وخبرة تقدمها.
وقلق جميل على مصر لا أتمنى أن تشفى منه أبدا.
وفي هذه المناسبة، لا أتمنى لك فقط عمرا أطول، بل عمرا أجمل. صحة تحفظ لك حضورك، وقلبا يبقى قادرا على الفرح، وعقلا يظل مشغولا بمصر والعرب والعالم، وأياما أكثر هدوءا دون أن تفقد ذلك القلق الذي يصاحب كل من أحب وطنه أكثر مما ينبغي.
عمرو موسى.. 90 عاما، والحضور أبقى من السنين.
فالسنوات تمضي مهما طال بها المقام، والمناصب تذهب مهما علا شأنها، أما ما يتركه الإنسان في ذاكرة وطنه وقلوب من عرفوه، فله حساب آخر لا تعرفه شهادات الميلاد ولا دفاتر التقاعد.
كل عام وأنت بخير يا صديقي العزيز.
وكل عام ومصر في قلبك كما عرفناك.
وكل عام وأنت قادر على أن تضيف إلى التسعين عاما عاما جديدا، وموقفا جديدا، وصفحة جديدة.
ففي بعض الأعمار، لا يكون السؤال كم مضى من الطريق…
بل كم بقي في القلب من رغبة في مواصلته.
أمد الله في عمرك، وأدام عليك الصحة والعطاء.







