مقالات وآراء

علاء عبد الله يكتب: الحرب انتهت!

​رغم الاجتماع المغلق الذي عقد أمس في كامب ديفيد لعدة ساعات بين دونالد ترامب وكل من دان كين (رئيس هيئة الأركان)، وجون راتكليف (مدير الاستخبارات المركزية)، وبيت هيجست (وزير الحرب)، وستيف ويتكوف (المبعوث الخاص)، وماركو روبيو (وزير الخارجية) – بحسب ما كشفت عنه تسريبات “أكسيوس” – وما تبعه من تكهنات بقرارات حاسمة، ورغم تحريك حاملة الطائرات “يو إس إس ثيودور روزفلت” من سان دييجو نحو الخليج، ووصول بطاريات صواريخ “باتريوت” إلى السعودية وقطر لحماية منشآت الطاقة، وإرسال ما لا يقل عن 9 آلاف جندي أمريكي إضافي إلى المنطقة.

​إلا أن التقديرات تشير إلى أنه لن تكون هناك حرب شاملة، لا في الوقت الحالي ولا بعد الانتخابات النصفية الأمريكية.
​إن فكرة الحرب الشاملة – على غرار أحداث 28 فبراير الماضي، أو سيناريوهات الإنزال البري والاحتلال الميداني وغزو إيران – أصبحت من الماضي. وما سيشهده الميدان لن يتعدى كونه تصعيداً محدواً، ومناوشات، وقصفاً متبادلاً ضمن قواعد اشتباك مضبوطة.

​ترتكز هذه الرؤية على خمسة أسباب رئيسية:


​أولاً: أزمة المصداقية والتخبط الإداري في واشنطن ​فقدان المصداقية وكثرة التصريحات المتناقضة أثرا سلباً على صورة النفوذ الأمريكي أمام الحلفاء والخصوم على حد سواء. يضاف إلى ذلك حالة التخبط داخل إدارة ترامب والاستقالات والإقالات المتتالية لرجال دولة ومسؤولين بارزين (مثل راندي جورج وزير البحرية، وجو كينت مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وتولسي غابارد مديرة الاستخبارات الوطنية). هذا الخلل التنفيذي أدى إلى انعدام الثقة في إدارة الملف وغياب استراتيجية مستقبلية واضحة للنزاع.


​ثانياً: عقيدة “حرب الوجود” لدى الإيرانيين


​تتعامل إيران مع هذه المواجهة كحرب وجود وثأر استراتيجي، ولن تقبل فيها بالهزيمة. وفي حال اقترابها من سيناريو الهزيمة، ستتجه لفرض خيار “خلط الأوراق كلياً” في المنطقة، مما يجعل بيئة القواعد القريبة غير صالحة للاستخدام، ويضع وجود الكيان نفسه على المحك بعد العقود الماضية من الشد والجذب.


​ثالثاً: الضغوط الاقتصادية وأزمة الطاقة العالمية


​الوضع الاقتصادي العالمي لا يحتمل أي مغامرة غير محسوبة. لقد أدى التصعيد إلى ارتفاع قياسي في أسعار الوقود في أمريكا وأوروبا، حيث تجاوز سعر غالون الديزل في بعض الولايات الأمريكية 7 دولارات، وبلغ لتر الديزل في بريطانيا 2 جنيه إسترليني.


​هذا الارتفاع اضطر واشنطن للتواصل مع ماكرون وفريدريش ميرتس للسحب من الاحتياطي الأوروبي للحد من القفزات الفلكية لأسعار النفط، وذلك بالتزامن مع قلق أوروبي من شتاء صعب وسلاسل إمداد مجهدة. ومع السيطرة الفعالة على الممرات المائية الحاكمة (باب المندب وهرمز)، فإن أي إغلاق كامل لهذه المضايق سيعطل نسبة ضخمة من التجارة العالمية ويوجه ضربة اقتصادية لا يتحملها الغرب.


​رابعاً: تعاظم الظهير الدولي وتحولات النظام العالمي
​تحظى إيران بدعم دائم وثابت من قوى دولية كبرى، حيث توفر روسيا غطاءً سياسياً وقانونياً لبرنامجها النووي، بينما أجهضت الصين خطط العزل الاقتصادي والحظر الجوي.
​علاوة على ذلك، تتصاعد النظرة لإيران في أجزاء من دول الجنوب العالمي (مثل تعاقدات مالي وبوركينا فاسو والنيجر على التسلح الإيراني) كرمز لمواجهة الهيمنة الغربية، وهو ما يعكس تحولاً أوسع في طبيعة النظام الدولي على خلفية أحداث غزة والشرق الأوسط.


​خامساً: استحقاقات صندوق الاقتراع وشلل الإرادة السياسية
​تتجه الأنظار إلى المحطات الانتخابية المقررة في أكتوبر ونوفمبر:

​المشهد الإسرائيلي: تعكس المؤشرات احتدام المنافسة السياسية ودخول كتل معارضة (مثل جادي آيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لابيد) للحلبة، مما قد يغير من التركيبة الحكومية الحالية واتجاهاتها الاستراتيجية.


​المشهد الأمريكي: تضع الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر ترامب أمام خطر خسارة الأغلبية في الكونغرس ومجلس الشيوخ، مما يجعله في وضع “البطة العرجاء” وغير قادر على تمرير أو تغطية أي قرارات عسكرية كبرى.

​خلاصة القول:


من السهل إشعال فتيل الحروب، لكن من الصعب جداً حسمها أو إنهاؤها بشروط مريحة، خاصة عندما تكون المواجهة مع دولة بحجم وتاريخ إيران وشعبها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى