
النيل شريان وجود مصر، وأمنه هو أمن البيوت والحقول والغذاء ومستقبل الأجيال. وحين تتزامن الحرب في السودان مع تجدد الصراع في إثيوبيا وتمدد النفوذ الإسرائيلي حول البحر الأحمر، فإننا نواجه تهديدًا للأمن القومي المصري يستوجب التحرك والمساءلة، لا الاكتفاء بالطمأنة وانتظار ما تسفر عنه أزمات الآخرين.
ما وصلت إليه مصر في ملف سد النهضة لا يجوز فصله عن مسؤولية النظام المصري وإدارته لهذا الملف. ففي مارس من عام ألفين وخمسة عشر، وقّعت القيادة المصرية إعلان المبادئ، وقدّمته للمصريين باعتباره بداية لتفاهم يحمي المصالح المائية ويقود إلى قواعد متفق عليها للملء والتشغيل. لكن إثيوبيا مضت في البناء والملء، ثم افتتحت السد رسميًا في سبتمبر من العام الماضي، بينما بقيت مصر دون الاتفاق الملزم الذي طالبت به. وهنا تصبح مساءلة أصحاب القرار عن وعودهم ونتائج سياساتهم واجبًا وطنيًا.
وبهذا المعيار، أرى أن ما جرى يمثل تفريطًا سياسيًا في حماية حقوق مصر، منح إثيوبيا فرصة لترسيخ واقع مادي بينما ظلت الضمانات المصرية معلقة. والمسؤولية هنا تتعلق بنتائج سياسة لم تنجح في تحويل المبادئ المعلنة إلى حماية فعلية لشريان حياة المصريين، بصرف النظر عن الجدل القانوني حول تفسير الإعلان.
أين الضمانات التي وُعد بها الشعب؟ ولماذا استمر الرهان على التفاوض دون أدوات ضغط تحقق نتائج؟ ومن يتحمل مسؤولية اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وما تحقق على الأرض؟ هذه أسئلة وطنية لا يجوز حجبها بذريعة حساسية الملف؛ فحساسيته هي التي تجعل المساءلة واجبة.
وتزداد خطورة الوضع مع تجدد القتال في تيغراي خلال سبتمبر. وفي الرابع من أكتوبر، أفادت رويترز بسيطرة قوات موالية للحكومة الإثيوبية على ميكيلي، وانسحاب جبهة تحرير شعب تيغراي منها. وتتهم أديس أبابا مصر والسودان وإريتريا بمساندة خصومها، بينما تنفي الدول الثلاث ذلك.
انشغال إثيوبيا بصراعها الداخلي قد يغير حساباتها، لكنه لا يعيد لمصر حقوقها تلقائيًا. وقد يدفع الحكومة الإثيوبية إلى توظيف السد في التعبئة الداخلية، أو يزيد صعوبة الحصول على البيانات والتنسيق الفني. لذلك فإن انتظار إنهاك أديس أبابا ليس خطة لحماية النيل.
رفض انهيار إثيوبيا لا يبرر التساهل مع سياساتها المائية. مصر تحتاج إلى مواجهة سياسية ودبلوماسية حازمة لأي تصرف أحادي يهدد أمنها، وإلى التمييز بين احترام الشعب الإثيوبي وقبول ما تفرضه حكومته. تنمية إثيوبيا لا تمنحها حق جعل أمان المصريين المائي مرهونًا بقرار منفرد.
الخطر لا يقتصر على نقص المياه؛ بل يشمل أيضًا التحكم في توقيت التدفقات، وإدارة الجفاف، والتصرفات المفاجئة، وغياب قواعد تشغيل يمكن الاعتماد عليها. وحين يصبح عنصر بهذه الأهمية خاضعًا للخلاف السياسي، فإن الأمن القومي يتعرض للتهديد، حتى قبل أن تتحول المخاطر إلى أزمة يومية في كل بيت.
وفي السودان، يضاعف استمرار الحرب هذا التهديد. فالدولة التي أرهقتها المعارك تصبح أقل قدرة على حماية حدودها، وإدارة منشآتها المائية، والمشاركة الفاعلة في الدفاع عن مصالح دولتي المصب. وكل امتداد للصراع الإثيوبي عبر الحدود قد يضيف جبهة جديدة إلى مأساة السودانيين.
وقد أوردت رويترز اتهامات لإثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أديس أبابا. وتبادل الاتهامات يكشف حجم التوتر وخطر تشابك الجبهات. ومن مصلحة مصر العمل لمنع انتقال السلاح والمقاتلين، ورفض الكيانات الموازية ومشروعات التقسيم، ودعم وحدة السودان ومؤسساته الوطنية.
لكن حماية السودان تعني أيضًا حماية أهله، وإغاثة المدنيين، ورفض الانتهاكات أيًّا كان مرتكبها، ودعم تسوية يملكها السودانيون. فالسودان وطن لشعب شقيق، واستقراره ضرورة لمصر، وتفككه خسارة للبلدين وفرصة للقوى التي تستثمر في ضعف الدول.
وهنا تظهر الأخطار الإسرائيلية التي تتربص بالمنطقة. فإسرائيل توسع حضورها عبر العلاقات السياسية والأمنية، وتبحث عن مواضع نفوذ في منطقة تصل بين منابع النيل والبحر الأحمر والممرات البحرية المؤثرة في قناة السويس. وفي تقديري، فإن تراكم هذا النفوذ يهدد هامش الحركة المصري ويستدعي سياسة مضادة واضحة.
في الصومال، اعترفت إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر من العام الماضي، في خطوة رفضتها مقديشو باعتبارها مساسًا بسيادتها. كما نقلت رويترز عن وزير دفاع أرض الصومال وجود تدريب إسرائيلي لقوات الشرطة والجيش. وهكذا تجاوز الحضور الإسرائيلي تبادل التصريحات إلى تعاون أمني على أرض تقع في موقع حساس قرب خليج عدن والمداخل البحرية للبحر الأحمر.
هذا التطور يثير مخاوف جدية من توظيف الاعتراف بالانفصال لتوسيع النفوذ الأمني والاستخباراتي، والتأثير في ترتيبات المنطقة البحرية. فالتعاون الأمني المعلن وحده كافٍ لفرض المتابعة والمواجهة السياسية.
وفي السودان، يكشف مسار التطبيع والاتصالات الإسرائيلية مع أطرافه عن سعي إلى بناء نفوذ داخل بلد حيوي لأمن مصر. والخطر هو أن تصبح حاجته إلى وقف الحرب وإعادة الإعمار مدخلًا لترتيبات تنتقص من استقلال قراره، أو تمنح قوى خارجية حضورًا يتجاوز مصالح السودانيين.
أما في إثيوبيا، فإن العلاقات الإسرائيلية توفر مجالًا لشراكات سياسية وأمنية تستوجب الرصد، خصوصًا مع استمرار النزاع المائي مع مصر. ومصدر القلق هو تنامي نفوذ إسرائيل لدى دولة تملك منشأة تؤثر في تدفقات النيل، وما قد يتيحه ذلك من فرص للتأثير في مواقفها الإقليمية.
الأطماع الصهيونية هنا تُقرأ من خلال الوقائع والموقع والمصالح: حضور أمني قرب الممرات البحرية، وعلاقات مع دولة المنبع، ومساعٍ للنفوذ في السودان. والخشية هي أن تتحول هذه المواقع إلى وسائل ضغط متكاملة على مصر والمنطقة. مواجهة ذلك تستلزم حضورًا عربيًا وأفريقيًا فاعلًا يحمي سيادة الدول ويمنع استغلال أزماتها.
من هذه الزاوية، تكتسب قمة العلمين، التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال في الرابع من أكتوبر، أهميتها. فقد أكد إعلانها وحدة السودان والصومال، ورفض الكيانات الموازية والاعتراف بأرض الصومال، ورفض الإجراءات المائية الأحادية الضارة بدولتي المصب، واتفق المشاركون على متابعة المخرجات.
لكن القمة لا تمحو مسؤولية النظام عن إدارة ملف السد، ولا تعوض وحدها سنوات غياب الضمانات. قيمتها ستُقاس بما تنجزه من حماية للمصالح، وبقدرتها على منع تمدد المخاطر، لا بصورة الاجتماع أو قوة البيان.
وأمام مصر أربعة مسارات ينبغي تنفيذها بالتوازي.
أولها، بناء موقف مائي مشترك مع السودان، تدعمه غرفة تنسيق فني لرصد التدفقات وتبادل البيانات والاستعداد للجفاف والتصرفات المفاجئة. ويجب أن يفضي هذا التنسيق إلى مطالب تفاوضية دقيقة بشأن التشغيل والإنذار المبكر وتسوية الخلافات، ودعم القدرات السودانية التي أضعفتها الحرب.
وثانيها، حشد ضغط دبلوماسي منظم داخل الاتحاد الأفريقي ومع الشركاء المؤثرين لدى أديس أبابا، لدفع تفاوض محدد الأهداف والمدة. وعلى القاهرة مطالبة هؤلاء الشركاء بربط تعاونهم الإقليمي بتشجيع الالتزام بالتنسيق المائي وعدم الإضرار، مع توثيق الأضرار والتحرك في الأطر الدولية المناسبة. التفاوض يحتاج أدوات تأثير ومراجعة للنتائج، حتى لا يتحول إلى غطاء لاستمرار فرض الأمر الواقع.
وثالثها، تحويل تنسيق العلمين إلى تعاون دائم يدعم مؤسسات السودان والصومال، ويواجه الاعتراف بالانفصال، ويحمي الملاحة، ويوسع الشراكات الاقتصادية مع دول المنطقة.
فمواجهة النفوذ الإسرائيلي تحتاج بدائل عملية تمنح الشعوب مصالح في التعاون وتحول دون ترك الساحة خالية للآخرين.
ورابعها، تعزيز الاستعداد المائي داخل مصر، عبر إدارة كفؤة للمخزون، وصيانة شبكات الري، وإعادة الاستخدام، وخطط طوارئ مدروسة. هذه الإجراءات تدعم قدرة البلاد على تحمل الأزمات، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى مطالبة المصريين بالتكيف مع التفريط في حقوقهم.
وللشعب المصري التزامات تجاه هذا الشريان الوجودي. فعلى الإعلام والجامعات والنقابات والخبراء والقوى السياسية والمجتمع المدني أن يجعلوا حماية النيل قضية عامة مستمرة: نشر المعرفة، ومناقشة الخيارات، والمطالبة بالشفافية والمساءلة، والتعبير السلمي المنظم عن رفض المساس بالحقوق المائية.
وعلى كل مواطن أن يدرك أن ترشيد الماء واجب، وأن الدفاع عن الحقوق المائية واجب أيضًا. فلا يصح تحميل الناس مسؤولية استهلاكهم ثم إعفاء أصحاب القرار من مسؤولية إدارة الملف. الشعب شريك في حماية وطنه، ومن حقه أن يعرف وأن يسأل وأن يطالب بتصحيح السياسات.
إن تماسك الداخل، وحماية الحقوق والكرامة، وإتاحة النقد المسؤول، عناصر قوة في مواجهة الأخطار الخارجية. والدولة التي تستمع إلى خبرائها وشعبها أقدر على تصحيح مسارها من دولة تحاصر النقاش وتكتفي بطلب الثقة.
مصر تواجه تهديدًا لأمنها القومي يتشابك فيه السد والحرب السودانية والنفوذ الإسرائيلي. والمطلوب حماية الحقوق، ومحاسبة السياسات التي أضعفت الموقف، وبناء قدرة فعلية على منع المزيد من الخسائر. فالنيل حياة شعب وحق أجيال، والدفاع عنه مسؤولية دولة وشعب؛ مسؤولية لا تقبل التفريط، ولا تُؤجَّل حتى يصبح الخطر واقعًا يصعب تغييره.







