في ذكرى ميلاده.. بليغ حمدي «ملك الموسيقى» الذي عاش بوهيميًا وترك ألحانًا خالدة

تحل في 7 أكتوبر ذكرى ميلاد الموسيقار بليغ حمدي، أحد أبرز الملحنين في تاريخ الموسيقى العربية، وصاحب رصيد ضخم من الألحان التي تنوعت بين الأغنية العاطفية والشعبية والوطنية والدينية، وتعاون خلالها مع كبار نجوم الغناء، وفي مقدمتهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة وشادية ومحمد رشدي.
وُلد بليغ حمدي في حي شبرا بالقاهرة، وكان والده أستاذًا للفيزياء في جامعة فؤاد الأول، وظهرت موهبته الموسيقية مبكرًا، إذ أتقن العزف على العود وهو في التاسعة من عمره، وحاول في الثانية عشرة الالتحاق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، إلا أن صغر سنه حال دون ذلك.
التحق بمدرسة شبرا الثانوية، وبالتوازي درس أصول الموسيقى في مدرسة عبد الحفيظ إمام للموسيقى الشرقية، قبل أن يتتلمذ على يد درويش الحريري ويتعرف من خلاله بصورة أعمق على الموشحات العربية.
وبعد التحاقه بكلية الحقوق، واصل دراسته الموسيقية أكاديميًا في معهد فؤاد الأول للموسيقى، الذي أصبح لاحقًا معهد الموسيقى العربية.
من الغناء إلى عالم التلحين
بدأ بليغ حمدي مشواره الفني بالغناء، وسجل للإذاعة أربع أغنيات، لكن اهتمامه الأكبر سرعان ما اتجه إلى التلحين، فقدم لفايدة كامل أغنيتي «ليه لأ» و«ليه فاتني ليه»، ثم لحن لفايزة أحمد «ما تحبنيش بالشكل ده».
وشكلت علاقته بالفنان والموسيقار محمد فوزي محطة مهمة في بداياته، إذ منحه فرصة تقديم ألحانه لعدد من كبار المطربين والمطربات من خلال شركة «مصر فون».
وفي عام 1957، قدم بليغ أول ألحانه لعبد الحليم حافظ من خلال أغنية «تخونوه»، لتنطلق بينهما رحلة فنية طويلة، لحن خلالها للعندليب ما يقارب 29 أغنية، وصولًا إلى «حبيبتي من تكون».
بصمة خاصة في الموسيقى المصرية
تنوع إنتاج بليغ حمدي بين الرومانسية والشعبية والوطنية والقصائد والابتهالات الدينية وأغاني الأطفال، وكان من أبرز ما ميز تجربته قدرته على توظيف الإيقاعات والموسيقى الشعبية المصرية وتقديمها في قوالب تناسب أصوات كبار المطربين.
واشتهرت ألحانه بالبساطة والسلاسة مع احتفاظها ببصمة موسيقية خاصة جعلت أعماله قابلة للتمييز، رغم التنوع الكبير في الأصوات والألوان التي تعامل معها.
ووصلت تجربته إلى الابتهال الديني من خلال ألحانه للشيخ سيد النقشبندي، وفي مقدمتها «مولاي»، كما قدم أعمالًا للأطفال، من بينها «أنا عندي بغبغان».
«حب إيه» تفتح أبواب أم كلثوم
مثلت أغنية «حب إيه» بداية التعاون بين بليغ حمدي وأم كلثوم، في واحدة من أبرز محطات مسيرته.
وجاء اللقاء الفني بينهما بعدما اصطحبه محمد فوزي إلى أمسية في منزل الدكتور زكي سويدان، وكانت أم كلثوم بين الحاضرين. وقدمه فوزي إليها باعتباره ملحنًا موهوبًا، وطلب من بليغ أن يقدم لها شيئًا من ألحانه، فغنى «حب إيه».
وفي اليوم التالي، استمعت أم كلثوم إلى الأغنية كاملة، قبل أن تقدمها للجمهور في ديسمبر 1960، لتبدأ بعدها رحلة تعاون فني طويلة بينهما بلغت 11 عملًا.
بليغ وشادية.. من «يا أسمراني اللون» إلى «شيء من الخوف»
امتدت ألحان بليغ حمدي إلى مساحة واسعة من مشوار شادية، وقدم لها مجموعة كبيرة من الأعمال العاطفية والشعبية والوطنية، من بينها «والنبي وحشتنا»، و«أنا عندي مشكلة»، و«عالي»، و«أسمر وطيب يا عنب»، و«زفة البرتقال»، و«الحنة»، و«قولوا لعين الشمس»، و«عطشان يا صبايا»، و«خلاص مسافر»، و«والله يا زمن»، و«يا حبيبتي يا مصر»، و«أدخلوها سالمين»، و«آخر ليلة»، و«لا لينا أهالي»، و«خدني معاك»، إلى جانب «يا أسمراني اللون».
كما لحن أغنيات فيلم «شيء من الخوف»، ومن أشهرها «يا عيني ع الولا»، وقدم ألحان أغاني واسكتشات مسرحية «ريا وسكينة»، إلى جانب أغاني فيلم «أضواء المدينة».
واهتم بليغ كذلك بالمسرح الغنائي، وقدم عددًا من المسرحيات والأوبريتات الاستعراضية، من بينها «مهر العروسة»، و«تمر حنة»، و«ياسين ولدي».
بليغ والأبنودي ومحمد رشدي
وفي مطلع الستينيات، شكل بليغ حمدي مع المطرب محمد رشدي والشاعر عبد الرحمن الأبنودي تجربة بارزة في تقديم الفلكلور المصري بمختلف إيقاعاته وألوانه.
وخرج من هذا التعاون عدد من الأغنيات التي تركت أثرًا كبيرًا، من بينها «عدوية»، و«بلديات»، و«وسع للنور»، كما لحن لمحمد رشدي أعمالًا أخرى منها «متى أشوفك»، و«على الرملة»، و«مغرم صبابة»، و«طاير يا هوى».
وردة.. الحب والموسيقى
تزوج بليغ حمدي في البداية من أمنية طحيمر، لكن الزواج لم يستمر سوى نحو عام، قبل أن يتزوج بعد سنوات من الفنانة وردة عام 1972 عقب قصة حب جمعتهما.
وشكل بليغ ووردة واحدًا من أشهر الثنائيات الفنية، إذ قدم لها عددًا كبيرًا من ألحانها، وكانت من أكثر المطربات تعاونًا معه خلال مسيرته.
كما ارتبط اسمه بأغنية «لولا الملامة» لمحمد عبد الوهاب، إذ قيل إنه أشرف على لحنها وترك بصماته عليها، كما استكمل أغنية «كلمة عتاب» التي غنتها وردة، بعدما كان فريد الأطرش قد بدأ تلحينها قبل وفاته.
«ملك الموسيقى» وحياة بوهيمية
عُرف بليغ حمدي بغزارة إنتاجه وحسه المرهف وطيبته، إلى جانب نسيانه الدائم وعدم اهتمامه الكبير بالمال أو الوقت، وهي السمات التي دفعت بعض النقاد إلى تشبيه حياته البوهيمية بحياة فنان الشعب سيد درويش.
وظلت الموسيقى محور حياته الأساسي، فتنقل بين ألوان غنائية متعددة وترك أعمالًا تجاوزت زمنها، وظلت حاضرة بأصوات عدد كبير من نجوم الغناء العربي.
وتوفي بليغ حمدي في 12 سبتمبر 1993 بعد صراع طويل مع مرض الكبد، قبل نحو شهر من ذكرى ميلاده، ونعته صحيفة الأهرام في اليوم التالي بعبارة «مات ملك الموسيقى».
وبعد رحيله، استمرت أعماله في الحضور وإعادة الاكتشاف عبر أجيال متعاقبة، ومن بينها «مولاي إني ببابك»، و«بودعك»، و«عدوية»، و«قولوا لعين الشمس»، لتبقى ألحانه شاهدًا على تجربة موسيقية استثنائية صنعت جزءًا مهمًا من ذاكرة الغناء المصري والعربي.







