
بعض الرجال يرحلون مرة واحدة، وبعضهم يظل رحيله يتكرر كلما فتحنا صندوقًا قديمًا، أو قلبنا ورقة منسية، أو عثرنا على اسمه في ملف ظن أصحابه أن الزمن أغلقه. ومع عبد الله النديم أشعر أنني لا أبحث عن رجل رحل منذ مئة وثلاثين عامًا، بقدر ما أتتبع أثر رجل ما زال يتحرك بين الأوراق. مرة أجده في صحيفة، ومرة في رسالة، ومرة في قبر نحاول الوصول إليه، وهذه المرة وجدته في مكان أكثر قسوة ودلالة: في الأوراق التي كانت الدولة تكتبها عنه. (المرفق رقم ١)
في الحلقة الماضية كنت أبحث عن أوراق عبد_الله_النديم، واليوم وجدت أوراقًا أخرى كانت هي التي تبحث عنه. أوراق لا تسأل عمّا كتب بقدر ما تسأل: أين هو؟ ومع من يتحدث؟ وإلى أين يتحرك؟ وماذا يمكن أن يفعل قلمه إذا تُرك له شيء من الحرية؟ كأن السلطة لم تكن تخشى الرجل وحده، بل كانت تخشى الاحتمال الذي يمثله. وهكذا ظهر النديم في دفاتر الإدارة العثمانية، لا أديبًا وخطيبًا فقط، بل رجلًا تتحرك خلفه عين الدولة.
يافا.. المنفى مرتين. تبدأ الرحلة الموثقة سنة ١٨٩١، عندما انتهت سنوات اختفاء النديم بعد الثورة العرابية، فقُبض عليه وسُمح له بمغادرة مصر إلى يافا. ثم عاد إلى مصر سنة ١٨٩٢ في عهد الخديو عباس حلمي الثاني، وأصدر صحيفة «الأستاذ»، قبل أن تعيده كتاباته وصدامه السياسي إلى المنفى مرة أخرى في يافا سنة ١٨٩٣. أي أننا لسنا أمام إقامة واحدة في يافا، بل أمام منفيين يفصل بينهما عام عاد فيه النديم إلى مصر وإلى الصحافة وإلى المشاغبة التي لم يعرف غيرها.
وهنا تدخل الوثائق_العثمانية إلى الحكاية. في الرابع من يوليو ١٨٩٣ تظهر الوثيقة BOA, İ.HUS 17/58، وفي الخامس من يوليو ١٨٩٣ تظهر الوثيقة BOA, DH.ŞFR 159/34. وتكشف المراسلات أن سلطات يافا والقدس كانت تناقش السماح للنديم بالإقامة، وتخشى عودته إلى النشر السياسي. كما تشير إلى مخصص قدره ألفان وخمسمئة قرش تدفعه الحكومة المصرية، في سياق إقامة ارتبطت كذلك باقتراح إنجليزي. لم يكن الرجل يحمل بندقية، ولم يكن وراءه جيش أو خزينة. كان يحمل قلمًا وذاكرة وصوتًا يعرف الطريق إلى الناس. وربما لهذا بدا أخطر في عين السلطة من كثيرين يحملون السلاح. (المرفق رقم ٤)
وفي اليوم نفسه، الخامس من يوليو ١٨٩٣، تظهر الوثيقة الثالثة: BOA, Y.A.HUS 277/54. وهي التي تربطها الدراسة بقرار إخراج النديم من الأراضي العثمانية تحت رقابة الشرطة وإبعاده من يافا إلى الإسكندرية. وهكذا تتجمع الوثائق الثلاث في يومين فقط: İ.HUS 17/58 في الرابع من يوليو، وDH.ŞFR 159/34 وY.A.HUS 277/54 في الخامس من يوليو ١٨٩٣. بهذا يستقيم الزمن وتستقيم معه الرحلة: يافا الأولى سنة ١٨٩١، العودة إلى مصر سنة ١٨٩٢، يافا الثانية سنة ١٨٩٣، ثم الإسكندرية. (المرفق رقم ٤)
وتوقفت طويلًا أمام هذه الأوراق. فالسلطة كثيرًا ما تخاف مما قد يحدث أكثر مما تخاف مما حدث بالفعل. يكفي أحيانًا أن يكون للرجل صوت مسموع حتى يصبح احتمال كلامه ملفًا، واحتمال كتابته خطرًا، واحتمال وصوله إلى الناس شأنًا يستحق المراسلات والمراقبة. وهنا يبدو المنفى أكبر من مجرد مدينة يرسل إليها رجل؛ إنه محاولة لإبعاد الفكرة عن جمهورها، مع أن الأفكار، لسوء حظ السلطات، لا تحتاج دائمًا إلى جواز سفر.
الإسكندرية.. باب يُغلق وآخر يُفتح. بعد يافا عاد النديم إلى الإسكندرية، وهناك ظهر في طريقه غازي_أحمد_مختار_باشا، أحد أبرز رجال الدولة العثمانية ومندوبها السامي في مصر. وتذكر المصادر التركية أن اللقاء انتهى بخطاب توصية حمله النديم إلى الآستانة، حيث عُيّن مفتشًا للمطبوعات. وما زلنا هنا نفرق بين ما وصلنا وما نبحث عنه: لدينا توثيق لخطاب التوصية ولدوره، لكن أصل الخطاب نفسه لم يقع بين أيدينا بعد. وأمانة البحث عندي لا تقل أهمية عن متعة العثور على الوثيقة؛ أن تقول «لم أصل إليها بعد» أشرف من أن تملأ فراغ التاريخ بما تتمناه. (المرفق رقم ٢)
ثم تقفز الرحلة عامين إلى الأمام. في الثالث عشر من سبتمبر ١٨٩٥ يظهر اسم عبد الله النديم في ملف آخر من أرشيف يلدز يحمل الرقم BOA, Y.EE 128/140. الدراسة التي أعدها الباحث التركي يونس أوزغر تنقل ملخص الوثيقة، وهي مذكرة تتناول جانبًا من أوضاع مصر وشخصياتها السياسية، من اللورد كرومر ومصطفى فهمي إلى أحمد مظلوم وديكران باشا، ثم يرد فيها اسم النديم والإشارة إلى دفاعه عن حقوق السلطنة والدين وانتقاله إلى الأراضي العثمانية. (المرفقان رقم ٣ ورقم ٥)
وهنا تصبح المسافة بين يافا ويلدز أكبر بكثير من المسافة على الخريطة. ففي يوليو ١٨٩٣ كان النديم اسمًا داخل أوراق القلق والمراقبة والإبعاد. وفي سبتمبر ١٨٩٥ صار الاسم حاضرًا في أوراق القصر بلغة سياسية مختلفة. لا يعني ذلك أن الدولة تبدلت فجأة، ولا أن الثائر العرابي تحول إلى رجل للقصر، ولا ينبغي أن نحمل الوثيقة أكثر مما تحتمل. لكنه يكشف أن صورة الرجل في عين السلطة لم تكن ثابتة؛ كانت تتبدل بتبدل المكان والسياسة واللحظة، بينما ظل هو عصيًا على التصنيف السهل.
فالوثائق الرسمية مهمة، لكنها لا ترى الإنسان كاملًا. الشرطة ترى حركة، والإدارة ترى ملفًا، والقصر يرى موقفًا. أما الإنسان نفسه فيظل أوسع من هذه الزوايا جميعًا. لهذا لا أقرأ هذه الأوراق بحثًا عن تاريخ النديم وحده، بل بحثًا عن تلك المسافة القديمة والمتجددة بين الإنسان والملف الذي تكتبه عنه السلطة. كم مرة تحول معارض إلى رقم؟ وكم مرة اختُصرت حياة كاملة في تقرير؟ وكم مرة اطمأنت سلطة لأنها عرفت أين يقيم الرجل، بينما لم تعرف أبدًا أين تقيم فكرته؟
بعد عام تقريبًا من وثيقة يلدز، رحل عبد الله النديم في إسطنبول في أكتوبر ١٨٩٦. مضت مئة وثلاثون عامًا، وبقيت أوراق المراقبة وقرارات الإبعاد وتقارير القصر، لكن أسماء كثيرين ممن كتبوها ذهبت، بينما بقي اسم الرجل الذي كانت تلك الأوراق كلها تدور حوله. تلك واحدة من مفارقات التاريخ التي أحبها: قد تملك السلطة الملف، لكن صاحب الملف قد يملك المستقبل.
من يافا إلى يلدز، عاش عبد الله النديم بين عين الشرطة وعين القصر، لكنني كلما قرأت هذه الأوراق شعرت أن هناك عينًا ثالثة كانت أقوى منهما: عينه هو، التي ظلت تنظر إلى مصر من المنفى. الجغرافيا استطاعت أن تبعد الجسد، لكنها لم تستطع أن تنفي الفكرة. والملفات استطاعت أن تحاصر خطوات الرجل، لكنها لم تستطع أن تحاصر ما تركه وراءه.
وفي الحلقة القادمة نفتح بابًا آخر من أبواب الآستانة. سنغادر، قليلًا، الأوراق التي كتبتها السلطة عن النديم، ونقترب من صوته هو، ومن دوائره وعلاقاته وآثاره في سنواته الأخيرة. فالبحث لم يعد فقط عن قبر رجل مات في المنفى، بل عن





بين مصر ويافا والآستانة، وعن أوراق ربما لا تزال تنتظر من يعيدها إلى صاحبها… وإلى وطنه.
المرفقات:
المرفق رقم ١ — صورة عبد الله النديم
https://commons.wikimedia.org/wiki/File:%D4%B1%D5%A2%D5%A4%D5%A1%D5%AC%D5%AC%D5%A1%D5%B0_%D5%A1%D5%AC-%D5%86%D5%A1%D5%A4%D5%AB%D5%B4.jpg
المرفق رقم ٢ — صورة غازي أحمد مختار باشا
https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Gazi-ahmed-muhtar-pasa-1.jpg
المرفق رقم ٣ — صورة تاريخية ليلدز في إسطنبول
https://commons.wikimedia.org/wiki/File:CLEMENT%281895%29_pg219_Yildiz_Kiosk%2C_with_Mosque_and_Pavilion.jpg
المرفق رقم ٤ — الدراسة التركية التي تتضمن وثائق يافا سنة ١٨٩٣ والإحالات إلى İ.HUS 17/58 وDH.ŞFR 159/34 وY.A.HUS 277/54
https://isamveri.org/pdfdrg/G01020/2020/2020_OZTURKM_DOGANCAY.pdf
المرفق رقم ٥ — دراسة يونس أوزغر التي تتضمن الإحالة إلى ملف يلدز BOA, Y.EE 128/140 المؤرخ في ١٣ سبتمبر ١٨٩٥
https://makale.isam.org.tr/server/api/core/bitstreams/3ad561c6-8dce-4c1f-9e38-1deba6db55f7/content
https://drive.google.com/file/d/1_93-KWijPgsRYwgA3as_NVYO1Ov5Qns5/view?usp=sharing







