مقالات وآراء

حسام بدراوي يكتب: على مقهى “الحالمون بالغد”.. أكتوبر درس الماضي لبناء المستقبل

كعادتي في شهر أكتوبر أتواصل مع شباب ‏الحالمين بالغد ومنهم شباب أسرتي ‏والعاملين معي في جمعياتي الأهلية ، ‏وبالذات جمعية تكاتف والتعليم أولا ، ‏وجمعية نشر الثقافة والمعرفة، بالإضافة ‏الي طلبتي في الجامعه . ‏

‏ في حواري الأخير معهم تكلمنا فيه عن ‏نصر أكتوبر العظيم قلت لهم :أن يوم ‏السادس من أكتوبر هو أعظم أيام حياتي، ‏لأن من لم يعيش مهانة هزيمة ‏‎(‎‏٦٧‏‎) ‎لا ‏يستطيع تذوق جمال وأثر وقيمة (٧٣).‏

كنت في بكالوريوس طب القصر العيني، ‏وكل واحد فينا كان له أخ او أب او صديق ‏أو قريب في الجيش يحارب من أجل ‏كرامة البلاد. كنا نتجمع حول الراديو ‏تقشعر منا الأبدان ونحن نسمع البيانات ‏العسكرية الرزينة الحقيقية ، علي عكس ما ‏كان يحدث في ٦٧. تعلم الإعلام من ‏أخطاء الماضي وكان صادقاً مع الشعب ، ‏وتعلم قادة البلاد من الشعب المصري ‏العظيم وكانوا علي مستوي المسئولية.. ‏

‏ قال لي واحد من الشباب اللذين ولدوا بعد ‏هذا اليوم بأكثر من ثلاثين عاماً :‏

مش قوي كده يا دكتور حسام، هناك‎ ‎كتب ‏ومقالات تقول أن مصر لم تنتصر في هذه ‏المعركة أساسا، نُصدق من؟! ‏

وقال آخر : ما أنتم قلتم كذلك علي حرب ‏‎( ‎‏٥٦ ‏‎) ‎وظهر في الآخر أنه لم يكن نصراً ‏، وأن إسرائيل إحتلت سيناء بعدها لولا ‏تدخل الولايات المتحدة ، وإجبارها علي ‏الإنسحاب.‏

قلت : هذا كلام غير صحيح ، لأن ‏المعركة الحربية تُعرف نتائجها بمن فرض ‏إرادته علي الآخر. في ‏‎(‎‏٥٦‏‎) ‎مصر ‏فرضت إرادتها علي إنجلترا وفرنسا ‏وإسرائيل، وكل بلد تستخدم ما لديها من ‏جيوش ودبلوماسية لتحقيق الغرض. ‏

مصر في نهاية الحرب فرضت سيطرتها ‏علي قناة السويس وإستعادت سيناء ، إذن ‏نتيجة الحرب كانت انتصارً لمصر ، ‏واستقالة لرئيس وزراء بريطانيا العظمي.‏

أما في ‏‎(‎‏٧٣‏‎) ‎، فقد كنا نعتقد أساسا ، ‏والعالم كله يؤكد، إستحالة عبور قناه ‏السويس واختراق خط بارليف ، الذي ‏أُعتُبر في وقتها أقوي خطوط الدفاع في ‏تاريخ الحربية العالمية، مع تفوق ‏تكنولوچي و إستراتيچي للطيران ‏الإسرائيلي. لقد كان إيمان العالم أن هذا ‏وضعاً نهائياً لن يتغير .‏

ماذا حدث في النهاية هو عبور قواتنا ‏بتنظيم وقيادة حكيمة ، وتغيير الوضع ‏العسكري المستقر، ثم التفاوض من وضع ‏القوة وليس الهزيمة.. كل ما حدث بعد ذلك ‏هو فتح قناة السويس للملاحة العالمية، ‏وعودة أهالي بورسعيد والإسماعيلية‎ ‎والسويس المهجرين ، وإستعادة سيناء. ‏

حرب أكتوبر كانت جزء من استراتيچية ‏متكاملة لاستعادة الكرامة والأرض ، ‏بتوافق العمل العسكري مع الدبلوماسي ‏والقانوني لإسترجاع آخر نقطة في طابا، ‏وأصبحت سيناء كاملة في حيازة مصر ‏مرة أخري.‏

قالوا: ولكنه تم تحديد عدد قواتنا في سيناء ‏وإستعادة سيناء‎ ‎‏ بهذا الشكل كانت تعتبر ‏منقوصة..‏

قلت: أنا وأنتم نذهب لطابا وشرم الشيخ و ‏سانت كاترين وكل شبر في سيناء، وإلى ‏أن بدأ الإرهاب الإخواني الداعشي بعد ‏‏٢٠١١ كنا نذهب للعريش ونجول في ‏سيناء كما نريد.‏

‏ كل مكسب له ثمن ، ولابد أن نفهم ذلك ‏وندرك أن الجولان لا تزال تحت الاحتلال ‏المطلق بعد حوالي ستين سنه ،وأن الضفة ‏الشرقيه كذلك. بل أن إسرائيل بصفاقة ‏أعلنت ضم الجولان إليها‎ ‎وبدأ العالم ‏يعترف لإسرائيل بملكيتها وها هي أمريكا ‏تعلن ذلك أيضا.‏

لا تجعلوا المُحبِطين‎ ‎الذين لا يرون سوي ‏الهزيمة ينقلون إليكم طاقتهم السلبية.. ‏مصر انتصرت ، حرباً وتفاوضاً، وغَيرنا ‏واقع جغرافي وتاريخي كان من الممكن أن ‏يصبح أمرا واقعاً الي الآن. ‏

قالوا : نحن نشك في الحقيقة من كثرة ‏المزايدات حول الأحداث التي نعيشها ‏فكيف بأحداث الماضي !!!!.‏

‎ ‎

قلت: معكم حق، وعليكم واجب…‏

أنا أتفق معكم أن المزايدات الإعلامية ‏والنفخ في الانتصار وتخبئة الأخطاء وكأننا ‏ملائكة وسوبرمان تشكك في الحقائق.‏

بل أن بعض الطرح الذي كَيَف النصر ‏وأرجعه الي ملائكة نزلت لتقف مع الجيش ‏وكأن جلال النصر يعود لغير ضباطاً ‏خططوا وجنوداً نفذوا وشعباً أفرز أفضل ‏ما فية ليحقق نصراً. ‏

‏ واجبنا أن نبحث أيضاً ، ونقرأ مذكرات ‏أبطالنا وأعداءنا ونُعمل عقولنا. الحق أن ‏جيشنا وشعبنا إنتصرا بعد هزيمة، وأننا لم ‏نستسلم، واستعدنا الأرض بعد ‏‎( ‎‏٦ ‏‎) ‎سنوات من الإحتلال الإسرائيلي ، وكرر ‏الشعب موقفه الحضاري برفضه الإحتلال ‏الإخواني للبلاد بعدها بأربعين عاماً في ‏‏٣٠ يونيو وكنا نظنه أبدياً لا قدر الله.‏

‏ الحقيقة ، أن الجيش إستعان بالمؤهلات ‏العليا من المجتمع المدني فإرتفع مستوي ‏أدائه، ودخل العلم جنباته ، وأن الشعب ‏بالرغم من قلقه ، ونفاذ صبره، وهجرة ‏ربع سكانه داخلياً ساند جنوده وغالب آلامه ‏وانتصر.‏

‏ ‏

إنني أود أن أذكر لكم مره أخري أن يوم ‏‎(‎‏٦‏‎) ‎أكتوبر هو أعظم يوم في حياتي فعلاً، ‏حيث فوجئنا بأن جيشنا يعبر ويحقق ‏نصراً، وشعوري بالفخر والزهو لا أنساه. ‏الكل تطوع‎ ‎علي قدر قدراته ومصر ‏إنتصرت فعلا.‏

قال شاب آخر: هل تصدق يا دكتور أن ‏كثير من زملاءنا لا يعرفون حتي خريطة ‏الأراضي التي مازالت تحتلها إسرائيل .‏

قلت : ملحوظتك جعلتني اذكركم أنني ‏كلما قرأت بيان بالأراضي العربية التي لا ‏تزال تحت الاحتلال الاسرائيلي أجدها ‏تتناقص في ذاكرة الإعلام اليومي و ‏الدوري ،فلم يعد يُذكر سوى الضفة الغربية ‏أما الجولان و مؤخراً القدس كلها، ومنابع ‏نهر الأردن وقري من جنوب لبنان و باقي ‏قرى ووديان فلسطين التي توسعت و ‏تتوسع عليها المستوطنات الاسرائيلية- ‏أقول تكاد- تسقط من الذاكرة الاعلامية ‏للأسف، بل أن هناك تقسيماً يحدث في ‏سوريا نفسها ما بين تركيا وإسرائيل ‏والتقسيمات العرقية. لقد ابتعدت الجولان ‏من مرمي البصر وكان ممكن أن يحدث ‏ذلك لسيناء أيضاً.‏

إن من عاش ويتذكر اكتوبر ٧٣ لابد ان ‏يكون الآن عمره فوق الخمسين عاما ، ‏ويجب أن يكون تدريس حرب أكتوبر في ‏مناهج التعليم مبني علي رؤية علمية وليس ‏اجتهادات كلامية بمزايدات تجعل الطلبة لا ‏تصدق الحقائق بعد ذلك. ‏

هناك بطولات لا يُحكي عنها كثيرا ‏،كبطولة الشعب المصري الذي عاد جيشه ‏مهزوماً هزيمة قاسية ومذلة في ٦٧ ، مما ‏إضطر رئيس البلاد للاستقالة‎ ‎كنتيجة ‏للفشل. لم يقبل الشعب الاستقالة، ليس ‏تأييداً للشخص ، كما رأيتها في ذلك الوقت ‏، بل كرمز لعدم قبول مصر الهزيمة.‏

وأتذكر ‏‎ ‎نكتاً واستهزاءاً بالجيش المصري ‏في العالم كله، والبلاد العربية ،بل أصبح ‏الزي العسكري‎ ‎المصري مجال الاستهانة ‏بالقول والفعل ، مع مذلة هجرة مواطنين ‏يعيشون علي خط القناة الي داخل البلاد ‏بالملايين. ‏

هنا ظهر معدن حضاري للشعب المصري ‏الذي قاوم الموجة السلبية الموجهة الي ‏الجيش ورفع روحه المعنوية ، واشترك ‏كل صاحب شهادة متعلم في الجيش بدون ‏معرفة وقت خروجه للحياة المدنية وتقبل ‏الشعب مهاجري وطنه ، في منازلهم ‏ومدارسهم ، وأعاد هذا الشعب لجيشه هيبته ‏ومقامه. ‏

هذه معركة لا يتكلم أحد عنها ولا توجد لها ‏ذكريات. ‏

شعب مصر أحيا جيشه بعد الهزيمة وجيش ‏مصر أحيا شعبه بانتصاره في أكتوبر.‏

علينا أن نعلم أن هناك دروس مستفادة ‏نتذكرها ونذكرها في أكتوبر. ‏

أولها: أن الجيش والشعب منظومة واحدة ، ‏ولولا مسانده المجتمع المدني لقواته ‏المسلحة ما كان النصر ، وكل محاولات ‏تقسيم البلاد بفصل الجيش عن الشعب ‏وتقسيم الشعب الي فئات أيديولوچية ودينية ‏وجغرافية ستفشل بالوعي الحضاري لهذا ‏الشعب العظيم.. ‏

ثانيها : أننا لو كنا دخلنا حرب أكتوبر ‏بدون تغيير جوهري في مفهوم إدارة ‏المؤسسة العسكرية ، والتنسيق بين المدنية ‏والدبلوماسية والعمل الحربي ، ما كان ‏النصر. لقد تعلمنا وقتها أنه لا يمكن ‏تكرار فعل نفس الشئ بنفس الطريقة ‏وانتظار نتائج مختلفة ، فتغير مفهوم العمل ‏العسكري الذي قاد للهزيمة الي مفهوم جديد ‏قاد للنصر.‏

‏ ثالثهما : أنه لا نصر بدون أخطاء ‏وتضحيات ، وما لا يُوثق فكأنه لم يكن . ‏وكما نحلل الهزيمه علينا أن نحلل النصر. ‏كانت هزيمة ٦٧ قاسية قاسية قاسية، ولكن ‏حدث التغيير وتراكمت الخبرة ليحدث ‏نصر ٧٣.‏

‏ عندما حدثت حرب ٦٧ كنت في الثانويه ‏العامه ، وكنا كشباب تحت إحساس كاذب ‏بالقوة وفي إنتظار دخول تل أبيب في ‏نهاية يوم ٥ يونيو. خَدعنا النفاق للسلطة ، ‏وخَدَعنا الخوف من إبداء الرأي الحر ، ‏وكان الشعب في حالة نشوة كاذبة الي أن ‏أفقنا وجيشنا يعود هرباً ، والعدو في سماء ‏القاهرة. ‏

درسٌ لا أنساه ، خلق في وجداني السياسي ‏رفضاً لأحادية الفكر ، أو تصديق ما ليس ‏له برهان. خلق في تركيبتي العقلية ‏رفضا للنفاق ورغبة في الشفافية ‏والإفصاح.‏

درساً افكر فيه الآن في عام ‏٢٠٢٦‏‎ ‎بعد ‏اكثر من خمسين عاماً من حرب اكتوبر ، ‏وبعد ‏٥٩ سنة من هزيمة مروعة للجيش ‏المصري ووقفة رائعة لشعب مصر في ‏مساندة بناؤه وعودة الكرامة اليه. ‏

هزيمة مصر اليوم لن تكون عسكرية بل ‏فكرية واقتصادية وسياسية وأربأ بجيش ‏مصر أن يتسبب فيها بدخوله طرفاً في ‏الحكم المدني وفي الاستثمار والاقتصاد ‏وفي إعاقة تداول السلطة السلمي مما قد ‏يوجه غضب الشعب الي المؤسسة العظيمة ‏التي كانت وستظل حامية الوطن. ‏

يا أولادي درس اكتوبر كبير ويمكن تطبيق ‏نتائجه اليوم بالإصرار علي تعدد الآراء ، ‏وحريه الإعلام ، وإحترام الاختلاف الذي ‏يُظهر الحقيقه ، والبناء لا الهدم ، ‏والإيجابية ، والعمل كفريق يتكامل ، ‏والإستفاده من طاقات كل مؤسسات ‏الشعب.. ومنها القوات المسلحة بلا ‏تخصيص ولا تمييز. ‏

كل أكتوبر وانتم بخير……..‏

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى