مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: «وجوه لا تغيب» السادات ووشاح القضاء..مدة الرئاسة والحرف الذي غيّر وجه الدستور


ثمة رجال لا يمكن أن نقرأ تاريخهم من صفحة واحدة، ولا أن نختصر وجوههم في صورة، مهما عظمت أو أشرقت. وأنور السادات واحد من هؤلاء. كلما اقتربت من سيرته، رأيت رجلًا تتجاور في تجربته شجاعة البدايات، وارتباك النهايات، وتتجاور في قراراته لحظات يسبق فيها عصره، وأخرى تعيده إلى قيود عصره. وفي ذكرى أكتوبر، أستعيد وجهًا آخر للسادات، غير ذلك الوجه الذي حفظناه تحت خوذة القائد المنتصر. أستعيد رجلًا وضع على كتفه وشاح القضاء، ووضع في دستوره قيدًا على مدة الرئاسة، قبل أن يسقط القيد، ويبقى الوشاح شاهدًا على مسافة مؤلمة بين ما أراده الرجل للدولة، وما أرادته السلطة لنفسها

وللحكاية عندي باب شخصي، يسبق باب التاريخ، ويفتحه. فقد كان والدي، الأستاذ عبد العزيز نور، رحمه الله، أحد مقرري لجنة إعداد دستور عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين. ومنه سمعت تفاصيل لم تكن مجرد ذكريات عن نصوص ومواد، بل حكايات عن رجال ومواقف، وعن كلمات كانت تولد في غرف المناقشات لتصبح فيما بعد قوانين تحكم حياة الملايين. ومن بين ما بقي في ذاكرتي حديثه عن المادة الخاصة بمدة رئاسة الجمهورية، وعن اتصال جرى مع الرئيس السادات من مكتب حافظ بدوي، الذي ارتبط اسمه برئاسة اللجنة التحضيرية للدستور. كان النقاش يدور حول إعادة انتخاب الرئيس، وهل تكون لولاية تالية واحدة، أم يترك الباب مفتوحًا لولايات لا يحصيها الدستور ولا تحدها السنوات.

أذكر من رواية أبي أن السادات لم يكن في تلك المرحلة رافضًا لفكرة تحديد مدة بقائه في الرئاسة، وأنه وافق على صيغة تقيد إعادة انتخابه. كانت بداية تستحق الاحترام، خصوصًا في مناخ سياسي اعتاد أن ينظر إلى السلطة باعتبارها قدرًا طويل الإقامة، لا أمانة محددة الأجل. لكن والدي كان يروي أيضًا كيف دار الجدل حول اللفظ، وكيف برز اسم حافظ بدوي في مناقشات الانتقال من «مدة» إلى «مدد». حرف واحد في الظاهر، وعمر إضافي للسلطة في الباطن. ومع ذلك، فإن الأمانة القانونية تقتضي أن أميز بين ما حملته ذاكرة أبي من كواليس المناقشات، وبين ما استقر في الوثيقة المنشورة. فقد أقر دستور عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين مادته السابعة والسبعين بصيغة «لمدة تالية ومتصلة»، ولم تتحول إلى «لمدد أخرى» إلا في تعديل مايو عام ألف وتسعمائة وثمانين. وبين التاريخين تسع سنوات، انتقلت فيها السلطة من قبول الحد إلى إزاحته، ومن الاعتراف بنهاية الولاية إلى فتح باب التجديد بلا نهاية مقررة.

وما زلت أرى في هذه الحكاية ما هو أعمق من اختلاف الصياغة بين المفرد والجمع. فقد تعلمت من أبي، ثم من سنوات المحاماة والعمل البرلماني، أن الدساتير قد تُفتح أبوابها الواسعة أمام الحرية بكلمة، وقد تُغلق بحرف. وأن أخطر ما يمكن أن يصيب نصًا دستوريًا ليس ضعف لغته، بل ضعف الإرادة التي تحمي معناه. ففي عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين، قبل السادات قيدًا على بقائه، وبعد تسع سنوات أزيل القيد في عهده. لا أعرف إن كان الرجل قد غيّر قناعته، أم غيّرت السلطة حساباته، أم تلاقت الإرادتان على نهاية واحدة. لكنني أعرف أن النص الذي يحد إقامة الحاكم في منصبه ليس عقوبة له، بل حماية للدولة منه، وحماية له من غواية الاعتقاد بأن الوطن لا يستطيع أن يمضي بدونه.

والغريب أن السادات نفسه، الذي شهد عهده هذا التحول الدستوري، كان قد اختار قبل ذلك بثلاث سنوات مشهدًا رمزيًا بالغ النبل والدلالة. ففي الخامس من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وسبعة وسبعين، أصدر قراره الجمهوري رقم أربعمائة وتسعة وستين، بأن يرتدي رئيس الجمهورية وشاح القضاء في المناسبات الرسمية والوطنية، إلى جانب زي القائد الأعلى للقوات المسلحة. وقد أعادت هذه الواقعة إلى ذاكرتي قراءة قدمها المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة، خلال مناقشة رسالة دكتوراه بجامعة دمياط عام ألفين وواحد وعشرين، للباحث محمد محمود الطواب، حول العلاقة بين القضاء والنظام السياسي المصري. وكان في تلك القراءة ما يدعونا إلى التأمل في رجل لم يرد أن يجمع على كتفيه رموز القوة وحدها، بل أراد أن يضيف إليها رمز الحق.

أحب أن أتوقف طويلًا أمام هذه الصورة. قائد عبر بقواته قناة السويس، ثم أراد أن يعبر برمزية القضاء إلى جوار القيادة العسكرية. وكأن السادات كان يدرك أن السيف الذي يحمي حدود الوطن لا يستطيع وحده أن يحمي ضمير الوطن، وأن الدولة التي تسترد الأرض بالقوة تحتاج إلى عدل يصون الإنسان فوقها. كان الوشاح، في معناه الأجمل، اعترافًا بأن للقوة حدودًا يرسمها الحق، وأن للسلطة سقفًا يضعه القانون. لكن الأوشحة، مهما علت مكانتها، لا تصنع استقلال القضاء إذا لم تحرسها مؤسسات مستقلة، تمامًا كما أن الدساتير لا تصنع تداول السلطة إذا استطاعت السلطة أن تبدل كلماتها كلما ضاقت بها حدودها. وهنا تتلاقى حكاية الوشاح مع حكاية الحرف. أحدهما يرفع مقام القانون في الصورة، والآخر يكشف هشاشة القانون أمام الرغبة في البقاء.

وربما حمل السادات إلى الرئاسة ذاكرة شخصية جعلته أقدر على إدراك قيمة القضاء من كثيرين لم يعرفوا الوقوف أمام منصته إلا في الاحتفالات الرسمية. فقد عرف الرجل السجن، ووقف متهمًا في قضية اغتيال أمين عثمان عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين، قبل أن ينال البراءة بحكم قضائي عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين. ولا أزعم أن تجربة واحدة تكفي لتفسير رجل بكل تعقيداته، لكنني أعرف جيدًا أن الإنسان الذي ينتظر كلمة القاضي ليخرج من دائرة الاتهام، لا يرى العدالة كما يراها من يملك سلطة إصدار الأوامر. لقد عرفت هذه المسافة بنفسي، وعرفت أن القانون الذي ندرسه في قاعات الجامعة يختلف في مذاقه عن القانون الذي ننتظر إنصافه وراء أبواب السجون. وربما كانت براءة السادات المبكرة واحدة من تلك الذكريات التي تظل كامنة في وجدان الإنسان، حتى بعد أن يصبح هو نفسه صاحب القرار.

وليس من العدل أن نحصر علاقة السادات بالقضاء في رمز الوشاح وحده. ففي عهده صدر دستور عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين بنصوص تؤكد استقلال القضاء، ثم قانون السلطة القضائية عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين، وشهدت تلك السنوات خطوات لإعادة الاعتبار إلى بعض القضاة الذين طالتهم قرارات العزل في أزمة عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين، قبل أن يصدر قانون المحكمة الدستورية العليا عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين. لم تكن هذه الخطوات قليلة الأهمية، ولا يجوز أن نلغي قيمتها لمجرد أن تجربته السياسية لم تكتمل على النحو الذي كنا نتمناه. لقد حاول السادات أن يفتح نوافذ في جدار ثقيل، غير أن بعض النوافذ بقيت أضيق من أن يدخل منها هواء الحرية كله، وبعض الأبواب التي فُتحت في البداية عادت السلطة فأغلقتها عند أول اختلاف.

ومن هنا لا أستطيع أن أكتب عن السادات بمداد المديح وحده، ولا أن أزن تاريخه بميزان الخصومة وحدها. فقد شهد عهده استمرار القضاء الاستثنائي، وتقييد الحريات السياسية، ثم جاءت اعتقالات سبتمبر عام ألف وتسعمائة وواحد وثمانين لتكشف الوجه الأكثر إيلامًا في تناقضاته. ولا أرى في الاعتراف بهذه الأخطاء انتقاصًا من نصر أكتوبر، أو من قيمة ما أصاب فيه الرجل. فالذي قاد حربًا عظيمة لا يكتسب حصانة من النقد، والذي أخطأ في السياسة لا تسقط من تاريخه بطولات الحرب. بل لعل أكثر ما يسيء إلى الرجال بعد رحيلهم أن نحولهم إلى تماثيل صامتة، منزّهة عن الخطأ، فنحرم الأجيال من أن تتعلم من تجاربهم كاملة. إن التاريخ لا يحتاج إلى محامين يترافعون عن الراحلين، ولا إلى خصوم يطالبون بإعدام سيرتهم، بل يحتاج إلى ضمير قادر على الإنصاف.

وفي كتابي الأخير «إصلاح مرفق العدالة.. العدالة في مصر منهكة أم ممكنة؟»، حاولت أن أقرأ هذه المعضلة من واقع خبرة طويلة عشتها بين المحاماة والبرلمان وساحات القضاء. وكتبت عن معنى أؤمن به بعمق، وهو أن استقلال القاضي ليس امتيازًا شخصيًا له، بل حق أصيل للمواطن. فالعدالة لا تُقاس بفخامة مباني المحاكم، ولا بطول نصوص الدساتير، ولا بجلال الأوشحة، بل بقدرة القاضي على أن يقول كلمته دون خوف، وبقدرة المتقاضي على أن يطلب حقه دون رهبة، وبقدرة الحكم على أن ينفذ دون انتظار إشارة من سلطة. وقد علمتني التجارب أن الدستور ليس كتابًا يوضع على رف، بل وعد أخلاقي وقانوني تقطعه الدولة على نفسها أمام مواطنيها. وأقسى ما يمكن أن يقع لهذا الوعد أن يبقى جميلًا في النص، غائبًا عند الحاجة إليه.

وربما لهذا السبب تحديدًا أجد في تجربة السادات ما يستحق التحية، وما يستحق المراجعة في الوقت نفسه. فقد كان يملك، في بدايات كثيرة، شجاعة الاقتراب من المعنى الصحيح، لكنه لم يكن دائمًا يملك فضيلة البقاء إلى جواره. وهذه ليست مأساة السادات وحده، بل مأساة السلطة في بلادنا، كلما ظنت أن الدولة تبدأ من الحاكم وتنتهي عنده، وأن المؤسسات تستمد قوتها من قربها منه لا من استقلالها عنه. فالسلطة قد تقبل استقلال القضاء ما دام لا يخالف رغبتها، وقد تحتفي بالدستور ما دام لا يضع حدًا لطموحها، لكنها لا تصبح سلطة دستورية حقًا إلا عندما تقبل أن يقول لها القاضي «لا»، وأن يقول لها الدستور «يكفي»، وأن يقول لها الشعب «انتهت المدة».

وأعود مرة أخرى إلى صوت أبي، رحمه الله، وإلى تلك الحكاية الصغيرة التي كبرت معي كلما اقتربت من الدستور، وكلما أبعدتني السياسة عن أحلام القانون الأولى. ما بين «مدة» و«مدد» ليست المسافة حرفًا في اللغة فحسب، بل مسافة بين فلسفتين للحكم. فلسفة ترى الرئاسة ولاية مؤقتة في خدمة وطن باقٍ، وأخرى ترى الوطن ساحة مفتوحة لإقامة الحاكم. وفي المقابل، ما بين الزي العسكري ووشاح القضاء، ليست المسافة قطعة قماش، بل مسافة بين قوتين؛ قوة تستطيع أن تنتصر على عدو خارج الحدود، وعدالة ينبغي أن تستطيع الانتصار للإنسان داخلها. وقد أدرك السادات المعنى في الحالتين، لكن سيرته تذكرنا بأن إدراك الصواب لا يكفي دائمًا لضمان الاستمرار فيه.

وأحسب أن هذا هو بعض سر حضور السادات، بعد خمسة وأربعين عامًا على رحيله. فهو لم يكن رجلًا يسهل اختصاره، ولا رئيسًا تستقيم قراءته بعبارة واحدة. نختلف معه في مواقف، ونتوقف أمام أخطاء، لكننا لا نستطيع أن ننكر شجاعة قرارات صنعت تحولات كبرى، أو مبادرات فتحت أبوابًا ظلت موصدة قبله. ولعل من الوفاء لمصر قبل الوفاء له، أن نأخذ من تجربته أفضل ما بدأت به، وأن نتعلم من أكثر ما تعثرت عنده. فالأوطان لا تنهض بتقديس رؤسائها، ولا بإهانة ذكراهم، وإنما بقدرتها على تحويل التاريخ إلى خبرة، والخبرة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى ضمانات لا تتوقف على صلاح فرد، ولا تنهار بخطأ حاكم.

في ذكرى أكتوبر، أبعث بتحية صادقة إلى روح الرئيس أنور السادات، بطل العبور، الذي أعاد إلى مصر كرامة الأرض، وأضاء في بعض خطواته الأولى معنى كرامة القانون، وإن لم يكتمل الطريق. وأبعث بتحية إلى روح أبي، الذي ترك لي من حكايات الدستور ما هو أبقى من الأوراق، وعلمني أن للكلمة مسؤولية، وأن للحرف أحيانًا مصير أمة. وتحية إلى شهداء أكتوبر، وإلى قضاة مصر الذين صانوا شرف المنصة واستقلال الضمير، وإلى كل من لا يزال يؤمن بأن العدالة ليست منحة من حاكم، بل حق سابق على الحاكم وباقٍ بعد رحيله.

رحم الله السادات، الذي انتصر في معركة العبور، وترك لنا معركة أخرى لم تحسم بعد. معركة أن يعبر الوطن من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن هيبة القوة إلى قوة العدل، ومن دستور قابل لأن يتسع مع رغبة الحاكم، إلى دستور يحمي الوطن من رغبة الحاكم. ولعل أجمل وفاء لذكراه ألا نكتفي بتعليق صورته في زي القائد المنتصر، أو استعادة وشاح القضاء فوق كتفه، بل أن نجعل من العدل استقلالًا حقيقيًا، ومن الدستور عهدًا لا يُنكث، ومن الرئاسة أمانة لها بداية ونهاية.

فالأرض التي حررها السادات تستحق عدالة لا تُستعبد، والوطن الذي عبر القناة يستحق أن يعبر إلى الحرية.

وما بين وشاح القضاء وحرف الدال، تبقى صورة السادات أكثر إنسانية من كل الصور المعلقة على الجدران؛ رجلًا عرف الطريق، ومشى فيه خطوات، ثم ترك لنا أن نتعلم من خطواته وعثراته معًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى