مقالات وآراء

محمد ابو عجور يكتب: الحركة الإسلامية بعد 7 أكتوبر.. هل تغيّر العالم وبقينا نحن كما نحن؟

مرّت ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر 2023، ولم يعد السؤال الأهم: ماذا حدث يومها؟ بل: ماذا تغيّر منذ ذلك اليوم، وماذا تغيّر فينا نحن؟

فالمنطقة لم تعد كما كانت. غزة دفعت ثمنًا هائلًا، والمواجهة امتدت إلى لبنان واليمن والبحر الأحمر وإيران، وتبدلت حسابات القوى الإقليمية والدولية، وبدأت ترتيبات جديدة للأمن والتحالفات والممرات والطاقة. وفي الوقت نفسه عادت القضية الفلسطينية إلى مركز الصراع بعد سنوات كان يُراد لها أن تتحول إلى ملف هامشي يمكن تجاوزه بالتطبيع وإدارة الأزمة.. وظهرت دولة الكيان وقد فقدت القدرة والسردية وانكشف ضعفها علي انهاء القضية.كذلك خططها للابادة واطماعها في المنطقة …

وسط هذا التحول الكبير يبرز سؤال لا يجوز الهروب منه: هل أعادت الحركة الإسلامية بناء رؤيتها وأدواتها، أم أن العالم تغيّر وبقينا نحن نتحرك بالعقل نفسه والأدوات نفسها؟

7 أكتوبر كشف الأزمة

لم يصنع 7 أكتوبر أزمة الحركة الإسلامية، لكنه كشفها بوضوح.

كشف الفارق بين مشروع يمتلك دولة وجيشًا واقتصادًا وتكنولوجيا وجامعات ومراكز أبحاث وشبكات نفوذ دولية، وبين حركات ما زال جانب كبير منها يستهلك طاقته في إدارة التنظيم، والخلافات الداخلية، وردود الأفعال اليومية.

وهنا لا تكمن المشكلة في ضعف الإيمان بالقضية الفلسطينية، ولا في غياب التضحية؛ فقد قدمت الحركة الإسلامية عبر تاريخها أثمانًا باهظة. المشكلة في الفارق بين حجم القضية وحجم الأدوات المستخدمة في التعامل معها.

فالصراع اليوم لا يدور بالسلاح فقط. إنه صراع على الاقتصاد، والمعلومات، والتكنولوجيا، والإعلام، والقانون الدولي، والممرات البحرية، والعلاقات الدبلوماسية، والجامعات، ومراكز التفكير، وصناعة الرواية العالمية.

فهل امتلكنا لهذا الصراع أدواته؟

من سؤال غزة إلى سؤال المشروع

كثيرًا ما سألنا: ماذا نفعل لغزة؟

لكن السؤال الأعمق هو: ماذا نفعل بعد غزة؟

غزة ليست قضية إغاثة أو تضامن فقط، مهما كانت أهمية ذلك. إنها اختبار لقدرة المشروع الإسلامي على فهم العالم والتعامل معه.

إذا كان خصمك يفكر لعشرين وثلاثين عامًا، ويبني مراكز أبحاث، ويؤهل نخبًا سياسية واقتصادية، ويستثمر في التكنولوجيا والإعلام والعلاقات الدولية، فلا يكفي أن تواجهه بخطاب تعبوي قوي أو ببيانات سياسية أو بحملات موسمية.

نحن بحاجة إلى مشروع متكامل يسأل: أين ستكون الأمة بعد عشرين عامًا؟ ومن يملك المعرفة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام وصناعة القرار؟

أزمة العقل الاستراتيجي

امتلكت الحركات الإسلامية خلال عقود أعدادًا كبيرة من الأعضاء والمتعاطفين، وأقامت مؤسسات واسعة، وانتشرت في دول كثيرة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل هذا الامتداد إلى قوة معرفية واستراتيجية.

أين مراكز دراسات المستقبل؟ أين قواعد البيانات؟ أين المتخصصون في الاقتصاد الدولي والطاقة والذكاء الاصطناعي والقانون والعلاقات الدولية؟ أين الدراسات اليومية الدقيقة

…. للكيان الصهيوني ودولة الاحتلال مجتمعها، وجيشها، واقتصادها، ونقاط قوتها وضعفها؟

لقد استثمرنا كثيرًا في بناء التنظيم، وأقل مما ينبغي في بناء العقل الذي يقود المشروع.

وهذه ليست مشكلة مالية بقدر ما هي مشكلة في ترتيب الأولويات.

التنظيم وسيلة لا غاية

كل عمل كبير يحتاج إلى مؤسسة وتنظيم، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الحفاظ على التنظيم إلى غاية مستقلة.

الإسلام أكبر من الجماعة، والأمة أوسع من التنظيم، والمشروع الحضاري أبقى من الحزب.

المقياس الحقيقي لنجاح الحركة ليس عدد أعضائها فقط، بل مقدار ما تنتجه للأمة من علماء، وخبراء، ومؤسسات، ومراكز تفكير، ومشروعات اقتصادية، ومنابر إعلامية، وشبكات تأثير دولية.

السؤال إذن ليس: كيف نحافظ على التنظيم؟

بل: ما الوظيفة التي يؤديها التنظيم في مشروع نهضة الأمة؟

السياسة ليست المشروع كله

دفعت كثير من الحركات الإسلامية ثمنًا حين اختزلت مشروعها في السياسة والانتخابات والوصول إلى السلطة.

السياسة مهمة، لكنها ميدان واحد من ميادين القوة.

وحين تصبح السياسة هي المشروع كله، فإن خسارة السلطة تتحول إلى خسارة المشروع كله.

أما المشروع الحضاري الحقيقي فيبقى قادرًا على العمل تحت كل الظروف، لأنه موزع على عشرات الميادين، لا محصور في الحكومة والبرلمان.

ما الذي يجب أن يتغير؟

مرحلة ما بعد 7 أكتوبر تحتاج إلى تحولات حقيقية:

من رد الفعل إلى الاستشراف، ومن الخطابة إلى المعرفة، ومن الاعتماد على الأشخاص إلى بناء المؤسسات، ومن المعلومات المتناثرة إلى مراكز بيانات، ومن العلاقات الشخصية إلى شبكات دولية محترفة، ومن الإنفاق التشغيلي إلى بناء موارد اقتصادية مستقلة، ومن الإعلام التعبوي إلى صناعة الرواية والتأثير العالمي.

كما تحتاج إلى إعادة تعريف دور الشباب؛ ليس باعتبارهم قوة تنفيذ، بل شركاء في التفكير وصناعة القرار، وإعادة تعريف التكنولوجيا؛ لا باعتبارها أداة مساعدة، بل ميدانًا أساسيًا من ميادين الصراع.

المراجعة ليست هدمًا

المراجعة ليست خيانة للتاريخ، بل وفاء للمشروع.

الذين أسسوا الحركات الإسلامية في القرن الماضي لم يقلدوا من سبقهم حرفيًا، بل قرؤوا زمانهم واجتهدوا في بناء أدوات تناسبه. والوفاء الحقيقي لهم ليس في تجميد ما صنعوه، وإنما في امتلاك الجرأة نفسها على التجديد.

فالعالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، والشركات العملاقة، والمنصات الرقمية، وحروب المعلومات، وإدارة الوعي بالخوارزميات.

ولا يمكن مواجهة هذا العالم بأدوات صُنعت لزمن مختلف.

السؤال بعد 7 أكتوبر

قد تنتهي حرب وتبدأ أخرى، وتتغير حكومات وتحالفات، لكن السؤال الذي سيبقى هو:

ماذا تعلمنا؟

إذا انتهت هذه المرحلة وعدنا إلى الهياكل نفسها، والخلافات نفسها، وطريقة التفكير نفسها، فإن إحدى أكبر لحظات التحول في تاريخ المنطقة ستكون قد مرت دون أن تغيرنا.

أما إذا فهمنا أن 7 أكتوبر أعلن نهاية مرحلة وبداية أخرى، فإن المراجعة تصبح ضرورة لا ترفًا.

والسؤال لم يعد: كيف تبقى الحركة الإسلامية؟

بل:

كيف تتحول من تنظيم يدافع عن بقائه إلى مشروع حضاري يبني الإنسان، ويصنع المعرفة، ويراكم القوة، ويسهم في تشكيل مستقبل الأمة؟

محمد ابو عجور

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى