شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: مهنة في محنة.. هكذا تنازلت النيابة العامة عن حيادها التاريخي

قراءه في بيان «متصدقش».. النيابة العامة <مهنه في محنه> من«خصم شريف»إلى”طرف”

ليست أخطر أزمات العدالة تلك التي يخطئ فيها القانون، بل التي تختلط فيها سلطة الاتهام بسلطة الحقيقة. فالأولى يمنحها الدستور، أما الثانية فلا يمنحها إلا الدليل. ومن هذا المنطلق توقفت طويلًا أمام بيان النيابة العامة الصادر في السابع من أكتوبر بشأن العاملين بمنصة «متصدقش». لم أتوقف لأحكم في قضية لم تكتمل تحقيقاتها، بل لأقرأ في لغة البيان ومنهجه ما يتجاوز الواقعة إلى أزمة أعمق تتعلق بموقع النيابة العامة من العدالة، وبالمسافة التي ينبغي أن تفصل سلطة التحقيق عن رواية أجهزة الضبط.

منذ أسابيع صدر كتابي «إصلاح مرفق العدالة.. العدالة في مصر منهكة أم ممكنة؟»، وخصصت فيه مساحة واسعة للنيابة العامة، تحت عنوان يستعيد وصفًا قانونيًا عزيزًا على قلبي: «الخصم الشريف». فالنيابة خصم لأنها تمارس الاتهام، وشريفة لأنها لا تبحث عن الإدانة بأي ثمن، بل عن الحقيقة ولو جاءت في مصلحة المتهم. وهذا الوصف ليس مجاملة تاريخية، بل معيار مهني ودستوري ينبغي أن تُقاس به الممارسة اليومية.

رابط كتاب «إصلاح مرفق العدالة.. العدالة في مصر منهكة أم ممكنة؟»: لقراءة الكتاب

أول ما استوقفني في بيان «متصدقش» هو إدراج تعبير «إبراز مواطن القصور» في مؤسسات الدولة ضمن سرد الاتهامات والأقوال المنسوبة لأحد المتهمين. وهي صياغة تثير إشكالًا دستوريًا بالغ الأهمية. فالكشف عن أوجه القصور، وانتقاد أداء المسؤولين، ومساءلة السلطة، وظائف أصيلة للصحافة، تحميها المواد الخامسة والستون والسبعون والحادية والسبعون من الدستور. ولا تتحول هذه الأنشطة إلى أفعال مجرّمة إلا بتوافر أركان جريمة محددة بنص قانوني، وأدلة مستقلة تثبتها.

الإشكال الثاني يتعلق بحدود الاستدلال. فقد أورد البيان تحويلات مالية من الخارج، ومجموعات إلكترونية مغلقة، ومراسلات بين العاملين بالمنصة. وهذه الوقائع قد تكون محل فحص مشروع إذا ارتبطت بشبهة محددة، لكنها ليست بذاتها دليلًا على نشاط إجرامي. فالصحفي يتلقى أجرًا، ويتواصل مع زملائه، ويتبادل تكليفات العمل. والفارق بين ممارسة مهنية مشروعة ونشاط مجرّم لا تصنعه جنسية المموّل أو وسيلة الاتصال، وإنما طبيعة الفعل، وقصد مرتكبه، والأدلة التي تربط بينهما.

أما الإشكال الثالث فيتصل بتحديد الواقعة محل الاتهام. فقد تكرر في البيان وصف الأخبار بالكذب، دون تقديم مثال محدد يتيح للقارئ الوقوف على حقيقة الخبر ووجه مخالفته للواقع. صحيح أن البيانات الإعلامية لا يُشترط أن تتضمن ملف الأدلة كاملًا، لكن غياب المثال المحدد يضعف قيمتها التفسيرية، ويجعل ضرورة المواجهة الدقيقة بين المتهم والواقعة والأدلة أمرًا جوهريًا لضمان حق الدفاع.

والأشد حساسية ما يتعلق بشكاوى التعذيب والإكراه. فالنيابة أوضحت أنها أحالت ثلاثة ممن ادعوا استعمال القسوة إلى الطب الشرعي، وأن التقارير لم ترصد إصابات أو آثار عنف. وهذه خطوة إجرائية تستحق التسجيل، لكنها لا تغني وحدها عن تحقيق مستقل في الوقائع المدعاة. فغياب الإصابات الظاهرة لا ينفي بالضرورة جميع صور الإكراه، كما أن تقديم الشكوى لا يثبت وقوعها تلقائيًا. وحده التحقيق الجاد، وسماع الشهود، وفحص ظروف الاحتجاز وأدلته، يستطيع الاقتراب من الحقيقة.

وقد أثارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مسائل أخرى تستوجب ردًا قانونيًا محددًا، أبرزها القول بتأخر عرض الصحفيين على النيابة، وتقديم ثمانية عشر بلاغًا بشأن احتجازهم، وعدم إجراء تحقيق كافٍ في شكاوى التعذيب. وهذه ادعاءات تستلزم فحصًا مستقلًا، لا تبنيها دون دليل ولا استبعادها دون تحقيق. فالمادتان الرابعة والخمسون والخامسة والخمسون من الدستور جعلتا الحرية الشخصية وصون الكرامة وضمانات الدفاع قواعد ملزمة، لا مجرد توجيهات أخلاقية.

هنا نصل إلى جوهر الأزمة التي تناولتها في كتابي. فالنيابة العامة، وفق المادة التاسعة والثمانين بعد المئة من الدستور، جزء لا يتجزأ من القضاء. لكنها تجمع، في البناء القانوني المصري، بين سلطات التحقيق وتحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها. وهذا التركيز للوظائف يقتضي ضمانات أشد للاستقلال والحياد والرقابة، حتى لا يتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى اختلال في التوازن بين الاتهام والدفاع.

ولهذا دعوت في الكتاب إلى إحياء نظام قاضي التحقيق بصورة تدريجية، خصوصًا في القضايا ذات الحساسية السياسية والحقوقية، والفصل الوظيفي بين من يجمع الأدلة ومن يباشر الاتهام حيث تقتضي ضمانات المحاكمة العادلة ذلك. ولا يعني هذا الانتقاص من النيابة، بل حماية قراراتها من شبهة الجمع بين بناء الاتهام وتقييم سلامته، وتعزيز الثقة في استقلال التحقيق.

ويأتي بعد ذلك إصلاح منظومة الحبس الاحتياطي، بحيث يصبح استثناءً مسببًا ومحدودًا، يخضع لمراجعة قضائية فعلية، مع التوسع في بدائله القانونية. فالحرية أصل لا ينبغي أن تنقلب إلى منحة مؤقتة، والحبس إجراء احترازي لا يجوز أن يتحول عمليًا إلى عقوبة تسبق الحكم.

ومن الضروري كذلك إعادة بناء العلاقة بين النيابة وأجهزة الضبط، انطلاقًا من قاعدة أن التحريات بداية للبحث وليست نهايته، وأن رواية الضبط تحتاج إلى اختبار، لا إلى افتراض مسبق بصحتها. ويقتضي ذلك تعزيز الاستقلال المهني لأعضاء النيابة، وتوثيق إجراءات التحقيق، وضمان حضور الدفاع وتمكينه، ووضع آليات مستقلة لفحص الشكاوى المقدمة ضد القائمين على الاحتجاز.

أما الإصلاح المؤسسي فلا يكتمل دون تطوير منظومة التفتيش القضائي والمساءلة المهنية، وتوسيع الرقابة الفعلية والمفاجئة على أماكن الاحتجاز، ونشر مؤشرات دورية عن الحبس الاحتياطي ونتائج التحقيق في شكاوى الانتهاكات، وتدريب أعضاء النيابة على حقوق الإنسان والتعامل مع الأدلة الرقمية وجرائم النشر. فالشفافية ليست خصمًا من هيبة النيابة، بل إحدى ضمانات هذه الهيبة.

ويبقى استقلال النيابة العامة قضية تتجاوز النصوص إلى الضمانات العملية. فالتعديل الدستوري لعام ألفين وتسعة عشر جعل تعيين النائب العام بقرار من رئيس الجمهورية من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى. ومهما كانت المبررات التنظيمية لهذا الاختيار، فإن الاستقلال الحقيقي يحتاج إلى ضمانات مؤسسية تحمي القرار القضائي من أي تأثير خارج مقتضيات القانون، وتصون أعضاء النيابة في مواجهة كل ضغط، وتقرن الاستقلال بمساءلة مهنية عادلة وشفافة.

أستعيد هنا واقعة المستشار محمد نور، الذي حقق مع طه حسين في أزمة كتابه الشهيرة، وانتهى إلى حفظ القضية، منتصرًا لحرية الفكر أمام عاصفة من الغضب والاتهام. لم تكن شجاعة الرجل في مواجهة أحد، بل في الانحياز إلى القانون. وهي شجاعة لا تزال النيابة المصرية قادرة على استعادتها، إذا استعادت المسافة الضرورية بين واجبها القضائي وكل مؤثر خارج أوراق التحقيق.

ومن ثم فإن التعامل الرشيد مع قضية «متصدقش» يقتضي مراجعة مبررات استمرار الحبس الاحتياطي، والنظر الجاد في إخلاء سبيل الصحفيين بالضمانات المناسبة ما لم توجد أسباب قانونية محددة تحول دون ذلك، والتحقيق المستقل في شكاواهم، وتمكين الدفاع من جميع حقوقه. كما يقتضي معالجة الثغرات التي كشفها البيان بوصفها فرصة للإصلاح، لا مناسبة لتبادل الاتهامات.

لقد تعلمت من سنوات المحاماة والعمل العام أن المؤسسة القوية ليست تلك التي تنجو من النقد، بل التي تملك شجاعة مراجعة نفسها. ولا أتطلع إلى نيابة أضعف في مواجهة الجريمة، بل إلى نيابة أقوى باستقلالها، وأدق في أدلتها، وأكثر يقظة لحماية الحريات.

فالنيابة العامة ليست آخر أبواب الاتهام فحسب، بل أول أبواب الإنصاف. وإذا كان القضاء حصن العدالة الأخير، فإن النيابة بابها الأول. وما أحوج مصر إلى باب يطمئن إليه المواطن، لا باب يخشى أن يطرقه.قراءة في بيان النيابة العامة وضرورات الإصلاح

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى