
ليست كل انتخابات مجرد عملية لاختيار حكومة، وليست كل أغلبية برلمانية مجرد حاصل جمع بين مقاعد وأرقام. أحيانًا تفتح نتيجة انتخابية نافذة أوسع من حدود البلد الذي جرت فيه، وتتحول تجربة وطنية إلى رسالة سياسية تتلقفها شعوب أخرى تبحث عن دليل جديد على أن الديمقراطية ليست حلمًا مؤجلًا، وأن الدولة المدنية ليست فكرة مستوردة، وأن الحرية والاستقرار يستطيعان أن يعيشا تحت سقف واحد.
بهذا المعنى أقرأ ما يجري اليوم في المغرب بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة المشهد البرلماني، ثم تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة الجديدة، في سابقة تاريخية تجعلها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة المغربية. الحدث في ذاته مهم، لكن الأكثر أهمية هو ما يمكن أن يبنى فوقه سياسيًا وديمقراطيًا.
الأرقام تقول إن حزب الأصالة والمعاصرة حصل على سبعة وتسعين مقعدًا، والاستقلال على خمسة وستين، والحركة الشعبية على تسعة وعشرين، بينما يمتلك الفريق المشترك للاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية خمسة وعشرين مقعدًا. أي إن القوى الأربع تستطيع، إذا التقت سياسيًا، أن تشكل كتلة من مئتين وستة عشر نائبًا، وهي أغلبية تتجاوز بوضوح الحد المطلوب في مجلس النواب المغربي.
لكن السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى مسألة حسابية. قيمة هذه الصيغة ليست فقط في أنها تملك العدد، بل فيما يمكن أن تمثله من أغلبية مدنية إصلاحية ذات قلب ليبرالي، تجمع بين الإيمان بالمبادرة الاقتصادية، ودور القطاع الخاص، والمسؤولية المؤسسية، والحماية الاجتماعية، واحترام التعدد، والقدرة على إدارة الاختلاف داخل إطار دستوري وسلمي.
ومن المهم هنا أن نكون دقيقين. حزب الاستقلال ليس حزبًا ليبراليًا بالمعنى التنظيمي الدولي، بينما ينتمي الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري إلى العائلة الليبرالية الدولية. ولهذا فإن التوصيف الأدق ليس «حكومة ليبرالية خالصة»، وإنما ائتلاف مدني إصلاحي يمكن أن يشكل التيار الليبرالي عموده السياسي والاقتصادي الأبرز.
وهذا في تقديري ليس تفصيلًا صغيرًا. فالعالم العربي عانى طويلًا من الثنائية الكاذبة التي تقول إن أمام شعوبه اختيارًا واحدًا من اثنين: إما الاستقرار بلا حرية، أو الحرية بلا استقرار. والتجارب التي تكسر هذه الثنائية لها قيمة تتجاوز حدودها الوطنية. المغرب يستطيع أن يثبت أن الاستقرار يمكن أن يقوى بالتعددية، وأن الدولة يمكن أن تحتفظ بهيبتها من دون أن تصادر المجتمع، وأن الاقتصاد يمكن أن يتحرر من القيود من دون أن يتخلى عن الفئات الأضعف.
وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة يضيف إلى الصورة بعدًا آخر. وأنا لا أحب اختزال نجاح النساء في كونهن نساء، لأن القيمة الحقيقية هي أن تصبح الكفاءة والمنافسة السياسية والطريق المفتوح إلى المسؤولية أمرًا طبيعيًا. لكن في منطقتنا العربية، التي ما زالت فيها أبواب كثيرة مغلقة أمام النساء، تصبح هذه السابقة ذات معنى يتجاوز الشخص والمنصب.
المهم الآن ألا تبقى السابقة صورة على غلاف صحيفة. القيمة السياسية الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا التطور إلى ممارسة: حكومة قابلة للمساءلة، وبرلمان يؤدي وظيفته، وأحزاب تتنافس على البرامج، وإعلام يمتلك مساحة للنقد، ومؤسسات تستطيع أن تختلف من دون أن تتحول الخصومة السياسية إلى خصومة مع الدولة.
ومن زاوية عربية أوسع، فإن نجاح هذه التجربة يمثل إضافة معنوية مهمة لكل القوى الليبرالية والديمقراطية العربية التي دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن فكرة بسيطة جدًا: أن المواطن ليس مجرد متلق للسياسات، بل شريك في صناعتها، وأن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقوة أجهزتها، وإنما بقوة مؤسساتها وقانونها ومجتمعها المدني.
لهذا لا أرى في التعبير عن التأييد لهذه التجربة تدخلًا في شأن مغربي. القرار مغربي، والائتلاف الذي سيتشكل يخص المؤسسات والقوى السياسية والناخبين في المغرب وحدهم. لكن التضامن بين الديمقراطيين لا يحتاج إلى جواز سفر. ومن حق الليبرالي المصري أن يفرح بنجاح ليبرالي مغربي، كما يفرح الديمقراطي المغربي بأي مساحة جديدة للحرية في القاهرة أو تونس أو بيروت أو أي عاصمة عربية.
هناك أيضًا دلالة انتخابية لا ينبغي إغفالها. فجزء مهم من القوى التي يمكن أن تكون أساسًا لهذه الأغلبية خرج من الانتخابات أقوى مما دخلها. تقدم الأصالة والمعاصرة، وتحسن موقع الحركة الشعبية، وارتفاع التمثيل المشترك للاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، كلها إشارات إلى أن قطاعًا معتبرًا من الناخبين منح ثقته لقوى مدنية وإصلاحية، حتى لو اختلفت دوافع التصويت من حزب إلى آخر.
وفي المقابل، فإن الحكمة تقتضي ألا تتحول لحظة الفوز إلى احتفال طويل. الديمقراطية لا تنتهي بإعلان النتائج، بل تبدأ منه. والأغلبية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد من يرفعون أيديهم في البرلمان، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون أن حياتهم أصبحت أفضل، وأن أصواتهم مسموعة، وأن القانون يحميهم، وأن الاقتصاد يفتح أمامهم فرصة لا امتيازًا مغلقًا.
هنا تحديدًا تقع مسؤولية أي حكومة جديدة في المغرب. عليها أن تثبت أن اقتصاد السوق يمكن أن يكون أكثر عدلًا لا أقل عدلًا، وأن دعم المبادرة الخاصة لا يعني ترك الفقراء وحدهم، وأن حماية الاستثمار لا تتعارض مع حماية العامل، وأن الإصلاح لا يكتمل من دون دولة قانون، وإدارة حديثة، ومؤسسات شفافة، وقضاء مستقل، ومساحات أوسع للتعدد والمشاركة.
المغرب يمتلك عناصر تجعل هذه التجربة مؤهلة للنجاح: بنية حزبية حقيقية، وتقاليد انتخابية متراكمة، ومؤسسات دستورية، واقتصاد منفتح نسبيًا، وصلات واسعة بأوروبا وإفريقيا والعالم العربي. وإذا أحسنت الحكومة الجديدة استثمار هذه العناصر، فقد تقدم نموذجًا عربيًا أكثر توازنًا بين الملكية الدستورية، والتعددية الحزبية، والمسؤولية الحكومية، والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
نحن بحاجة إلى نماذج عربية ناجحة، لا إلى شعارات عربية جديدة. نحتاج أن نرى امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة عبر السياسة والمؤسسات. وأن نرى أحزابًا تفوز وتخسر ثم تعود إلى صناديق الاقتراع. وأن نرى أغلبية تتشكل بالمفاوضات لا بالإملاءات. وأن نرى المعارضة باقية داخل الوطن والمؤسسات، لا خارجهما.
لذلك أعتقد أن تشكيل أغلبية مدنية إصلاحية، ذات قلب ليبرالي، في المغرب سيكون خبرًا جيدًا لا للمغاربة وحدهم، بل لكل عربي ما زال يؤمن بأن الحرية ممكنة، وأن العدالة قابلة للبناء، وأن الكرامة الإنسانية ليست رفاهية دستورية، بل جوهر السياسة ومعيار نجاحها.
لسنا أمام تجربة مكتملة، ولا حكومة تشكلت بعد، ولا نتائج يجوز منحها شهادة نجاح مقدمًا. لكن أمامنا فرصة تستحق الدعم والتشجيع، وتستحق كذلك المتابعة والمساءلة. فالديمقراطي الحقيقي لا يصفق للحكومة لأنها قريبة منه فكريًا، بل يطالبها بأن تكون أقرب إلى الناس.
وما أتمناه للمغرب هو أن تتحول هذه اللحظة من مجرد انتقال في الأسماء إلى تقدم في القيم. وأن تكون الرباط مرة أخرى نافذة تقول للعالم العربي إن الطريق إلى الدولة الحديثة لا يمر عبر إغلاق السياسة، بل عبر فتحها، ولا عبر الخوف من المجتمع، بل عبر الثقة فيه.
د. أيمن نور
المرشح الرئاسي السابق في مصر
رئيس حزب غد الثورة الليبرالي المصري







