مصر

الدكتورة رضوي الشاذلي تكتب: من القنصلية إلى «البعثة البريطانية».. القدس تشعل أزمة جديدة بين لندن وإسرائيل

في تطور دبلوماسي يعكس حجم التوتر المتصاعد بين بريطانيا وإسرائيل، تحولت القنصلية البريطانية العامة في القدس الشرقية إلى ما أطلقت عليه لندن «بالبعثة البريطانية – القدس» بعد اتفاق اللحظة الأخيرة بين الجانبين حال دون إغلاق المبنى بشكل كامل، لكنه أدى إلى تقليص الوجود الدبلوماسي البريطاني داخله..

القضية تتجاوز مجرد تغيير اسم على لافتة، فالمبنى الذي يعود الوجود البريطاني فيه إلى ما يقرب من مائتي عام يؤدي دورا مهما في إدارة العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.

وأكدت لندن أن البعثة ستظل مستقلة وتواصل تقديم الخدمات الأساسية والعمل مع الفلسطينيين.

الأزمة بدأت عندما قررت بريطانيا فرض إجراءات ضد التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة جاءت ضمن موقف غربي أوسع تجاه سياسة الاستيطان… وردت إسرائيل بإصدار قرار يقضي بإغلاق القنصلية، ما فتح الباب أمام واحدة من أكثر الأزمات الدبلوماسية حدة بين البلدين في السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، تمسكت الحكومة البريطانية بموقفها القانوني والسياسي، مؤكدة أنها لا تعترف بحق الحكومة الإسرائيلية في إغلاق القنصلية، ومجددة موقفها بأن القدس الشرقية أرض محتلة. كما أكدت لندن استمرار دعمها لحل الدولتين، معتبرة أن الحفاظ على حضورها في القدس جزء من دورها السياسي والدبلوماسي في المنطقة..

أما إسرائيل، فترى أن الإجراءات البريطانية تجاه المستوطنات تمثل تدخلا في شؤونها، ولذلك جاء قرارها ضد القنصلية باعتباره رسالة سياسية واضحة إلى لندن وغيرها من الدول التي تتخذ إجراءات ضد سياسة الاستيطان الإسرائيلية..

ورغم التوصل إلى صيغة تمنع الإغلاق الكامل، فان الاتفاق لم ينهي الخلاف. فقد غادر عدد من الدبلوماسيين البريطانيين، بينهم القنصل العام، بينما سيستمر عدد محدود من الموظفين في العمل من الموقع، مع تأكيد بريطانيا أنها تعتزم إعادة بناء وجودها الدبلوماسي خلال الفترة المقبلة…

وهنا تبرز دلالة القدس باعتبارها أكثر من مجرد موقع جغرافي فهي واحدة من أكثر الملفات حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأي تغيير في طبيعة الوجود الدبلوماسي للدول الكبرى فيها يحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية.

واللافت للنظر أن بريطانيا اختارت عدم الرد بإجراءات مماثلة ضد الدبلوماسيين الإسرائيليين، في محاولة لمنع الأزمة من التحول إلى قطيعة دبلوماسية أوسع، لكنها في الوقت نفسه لم تتراجع عن موقفها بشأن القدس الشرقية أو إجراءاتها المتعلقة بالمستوطنات… وبذلك تبدو «البعثة البريطانية – القدس» حلا دبلوماسيا مؤقتا لأزمة أكبر من مجرد خلاف على مقر قنصلي.. فهي تعكس اتساع الفجوة بين لندن والحكومة الإسرائيلية بشأن الاستيطان والقدس ومستقبل الأراضي الفلسطينية، وتكشف في الوقت ذاته أن العواصم الغربية أصبحت أمام اختبار حقيقي بين الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، وبين مواقفها المعلنة بشأن القانون الدولي وحل الدولتين.

ويبقى هنا السؤال الأهم: هل تنجح هذه التسوية في احتواء الأزمة بين لندن وتل أبيب، أم أن القدس ستظل نقطة اشتعال دبلوماسية جديدة تعيد رسم مواقف القوى الغربية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي….

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى