مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: النديم في الآستانة . اوراق المنفي «من النيل إلى البوسفور»

النديم لم يدخل الآستانة فاتحًا، ولا سائحًا، ولا باحثًا عن شهرة جديدة. جاءها وقد ضاقت عليه أرض وطنه، وبعد أن صار قلمه عبئًا على سلطات لا تحتمل ما يقوله.

ثم وجد نفسه في مدينة تتسع للقصور والمكتبات والمطابع، ولا تتسع بالضرورة لرغبة رجل واحد في العودة إلى مصر.

كان عبد الله النديم يعرف قيمة الكلمة جيدًا. فقد دفع من عمره ثمنها قبل أن يصل إلى إسطنبول. وعرف الاختفاء والمطاردة، وعرف أن مقالًا صغيرًا قد يصنع أزمة كبيرة، وأن جريدة قد تغلق لأن صاحبها رفض أن يكتب ما يرضي الحاكم.

ومع ذلك، أصبح في الآستانة مفتشًا للمطبوعات.

لا أعرف على وجه الدقة ما الذي كان يدور في نفسه وهو يؤدي هذه الوظيفة.

ولا أملك سجلًا كاملًا بما فحصه أو أجازه أو اعترض عليه، ولذلك لا أريد أن أختلق له موقفًا من كل كتاب مر بين يديه.

لكن المفارقة التاريخية وحدها كافية للتأمل.

رجل عرف المنع، يصبح قريبًا من أدوات تنظيم المنع او النشر.

كاتب عاش مطاردًا بسبب الصحافة، يعمل في دائرة تتصل بالصحافة.

وثائر عارض الاستبداد، يجد لنفسه موضعًا في عاصمة السلطان.

وليس في هذه المفارقة ما يجيز لنا أن نصدر عليه حكمًا سهلًا. فحياة المنفي أكثر تعقيدًا من أحكام الذين لم يجربوا المنفى.

قد يقبل وظيفة ليعيش.

وقد يصادق صاحب نفوذ ليحتمي.

وقد يقترب من السلطة دون أن تصبح السلطة وطنه.

فليس كل من فتح له القصر بابًا استطاع أن يفتح لنفسه باب العودة إلى بيته.

في الآستانة التقى النديم بجمال الدين الأفغاني، الذي سبق أن عرفه في مصر. وكانت بين الرجلين صلة فكرية وإنسانية تمتد إلى سنوات بعيدة.

ولم تكن إسطنبول مكانًا هادئًا بعيدًا عن الخصومات الفكرية. فقد استمرت خلافات النديم ومعاركه، وارتبطت بعض كتاباته الأخيرة بخصوم في دوائر النفوذ، ومنهم الشيخ أبو الهدى الصيادي.

ومن هذه المرحلة خرجت الكتابات المعروفة باسم «المسامير».

وهو عنوان يكاد يلخص جانبًا من شخصية النديم. فقد كان يعرف أن السخرية قد تكون أحيانًا أشد وقعًا من الموعظة، وأن العبارة القصيرة تستطيع أن تترك في خصمها أثرًا لا تتركه صفحات من الجدل.

كان النديم بعيدًا عن القاهرة.

لكنه لم يصبح بعيدًا عن نفسه.

غير أن المفارقة الأكثر إيلامًا لم تظهر إلا بعد موته.

فقد نقل رشيد رضا عن عبد الفتاح النديم، شقيق عبد الله، أن كتب أخيه بقيت في الآستانة عند الشيخ ظافر، وأنها لم تُسلَّم إليه بسبب أمر صدر بفحصها.

هنا تتوقف الكلمات قليلًا أمام معنى لا يحتاج إلى مبالغة.

الرجل الذي عمل مفتشًا للمطبوعات، مات وبقيت بعض كتبه، وفق شهادة أخيه، تنتظر الفحص.

ولا أعرف هل كان ذلك الأمر إجراءً إداريًا عاديًا، أم متصلًا بطبيعة الكتابات، أم نتيجة نزاع على حيازتها.

لم نجد أصل الأمر حتى الآن.

ولا يجوز أن نجعل من الرواية وحدها دليلًا على مصادرة رسمية.

لكن الذي نعرفه أن شقيقه كان يبحث عن أوراقه بعد موته، وأن استعادتها لم تكن أمرًا يسيرًا.

تأملت طويلًا هذه الصورة.

عبد الفتاح في الإسكندرية.

والكتب في الآستانة.

وصاحبها في التراب.

وبين الشقيق والأوراق مسافة من البحر، ومسافة أخرى من الإجراءات والسلطات والأشخاص.

كأن المنفى لم ينته بموت صاحبه، بل انتقل من جسده إلى ما تركه وراءه.

وأظن أن هذا أكثر ما يستحق البحث .

فلو وجدنا قبر النديم غدًا، سنكون قد عرفنا أين انتهت حياته.

أما إذا وجدنا أوراقه، فقد نعرف شيئًا جديدًا عن الحياة نفسها.

ربما نقرأ نصًا يوضح موقفًا غامضًا.

أو نجد صفحة تكشف ظروف كتابته في الآستانة.

أو نستعيد كتابًا منسوبًا إليه لم نعرف نسخته الكاملة.

لهذا لا أريد أن يصبح البحث عن عبد الله النديم سباقًا إلى العثور على حجر.

الحجر مهم. بالغ الأهمية.

لكن الرجل أوسع من قبره.

والعودة إلى مصر لا تكون بالرفات وحدها، بل بما يمكن استعادته من فكره أيضًا.

أريد أن نعرف كيف عاش أيامه الأخيرة في الآستانة، بعيدًا عن الروايات التي تكتفي بأنه نُفي ثم مات.

كيف عمل.

وماذا كتب.

وماذا نشر.

وما الذي لم ينشره.

ومن احتفظ بأوراقه.

وأين ذهبت بعد رحيله.

هذه ليست تفاصيل هامشية في سيرة أديب.

إنها جزء من تاريخ الصحافة المصرية، ومن تاريخ العلاقة القديمة بين الكلمة والسلطة، وبين الحرية والمنفى.

وبعد مئة وثلاثين عامًا، لا أريد أن أحاكم النديم على خيارات لم أعش ظروفها، ولا أن أجعل منه قديسًا لا يخطئ.

أريده أن يعود كما كان.

إنسانًا يضعف ويقاوم.

يقترب ويبتعد.

يختلف ويخاصم.

ويظل، وسط ذلك كله، صاحب صوت لا يشبه غيره.

كلما قرأت عن سنواته في الآستانة، اقتنعت بأن أكثر ما نحتاجه ليس كتابة نهاية جديدة لحياته، بل استكمال الصفحات الناقصة منها.

فقد عرفنا منذ زمن طويل أين توقفت أنفاسه.

لكننا لم نعرف بعد أين انتهت جميع كلماته.

وهذا هو البحث الذي ينبغي أن يستمر، حتى بعد العثور على القبر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى