مقالات وآراء

د.حسام بدراوي يكتب: تأملات في جائزة نوبل للطب 2026

لم أقرأ خبر جائزة نوبل في الطب هذا العام بعين القارئ العابر، بل بعين المعلم والطبيب الذي رأى عمرًا كاملًا من المرضى يفقدون ما لا يُعوَّض، وبعين الكاتب الذي اعتاد أن يرى في كل اكتشاف علمي مرآةً لحال البشر.
ذهبت الجائزة إلى ثلاثة علماء: الأمريكي كارل ديسيروث من جامعة ستانفورد، والألمانيَّين بيتر هيجمان من جامعة هومبولت في برلين، وجورج ناجل من جامعة فورتسبورج؛ تقديرًا لعلمٍ أسّسوه يُعرف باسم «البصريات الوراثية» (Optogenetics)، أي القدرة على التحكم في الخلايا العصبية بالضوء.
والحكاية في بساطتها كالآتي: في مرض «التهاب الشبكية الصباغي» تموت الخلايا التي خُلقت لتستقبل الضوء، واحدةً بعد أخرى، كما تنطفئ مصابيح شارعٍ طويل في ليلة بلا قمر. لكن خلايا أخرى خلفها، هي الخلايا العُقَدية، تبقى حيّة، ويبقى العصب البصري قادرًا على حمل الرسالة إلى المخ. الطريق سليم… لكن من كان يلتقط النور قد رحل. فسأل العلماء سؤالًا عبقريًا في بساطته: إذا ماتت الخلايا التي تحسّ بالضوء، فلماذا لا نعلّم خلايا أخرى أن تحسّ به؟ وبجينٍ يحمله فيروس مروَّض، تعلّمت خلايا لم تُخلق لترى أن تستجيب للنور. ورجلٌ عاش أربعين عامًا في العتمة صار يرى الأشياء أمامه، ويحدد مكانها، ويمدّ يده فيلمسها. لم يعد إليه بصره كاملًا، لكنه خرج من عالمٍ مغلق إلى عالمٍ له أبواب.
غير أن ما استوقفني في هذه الجائزة ليس ما قيل في إعلانها، بل ما لم يُقَل.
فالعلم الذي كُرِّم لم يصنعه ثلاثة. كان هناك إرنست بامبرج، الذي وقف مع هيجمان وناجل في المختبر حين أثبتوا، في مطلع هذا القرن، أن بروتين طحلبٍ أخضر يجمع في جزيء واحد بين مستقبِل الضوء وبوابة الخلية. وكان هناك إد بويدن، الذي كان شريكًا في التجارب الأولى التي نقلت هذا البروتين إلى خلايا المخ عام 2005. وكان هناك جيرو ميزنبوك، الذي سبق الجميع بفكرة التحكم في الخلايا العصبية بالضوء قبل أن يكتمل الطريق. هؤلاء جميعًا تقاسموا مع الفائزين جوائز كبرى سابقة عن الإنجاز نفسه، ثم جاءت نوبل، وهي لا تتسع لأكثر من ثلاثة.
لا أكتب هذا اعتراضًا على لجنةٍ أدّت عملها وفق قواعدها، بل تأملًا في معنى الاعتراف ذاته. فالجائزة لحظة ضوء تسقط على بعض الوجوه، لكنها لا تُطفئ الوجوه الأخرى. والعلم في حقيقته ليس بطولة فرد، بل نسيج عقول؛ خيطٌ يغزله باحث في معمل صغير، وآخر يكمله في قارةٍ أخرى، وثالث يحمله إلى حيث لم يتخيله الأول. ولو أن هيجمان، حين أمضى سنوات يسأل كيف «يرى» طحلبٌ وحيد الخلية الضوء، انتظر وعدًا بالتكريم، لما بدأ أصلًا.
وما يصدق على العلم يصدق على الأوطان. كم من عقلٍ صنع الفكرة ثم وقف خارج الصورة! كم من معلّمٍ صنع أجيالًا لم يذكر أحدهم اسمه في خطاب نجاحه! وكم من مؤسسةٍ لم تكن ترى في بعض أبنائها إلا «ناقلين» للتعليمات، لا «مستقبِلين» للنور ولا صُنّاعًا له!
وهنا تبلغ الحكاية العلمية ذروتها الرمزية. فالخلايا العقدية التي أعادت للرجل شيئًا من بصره لم تكن، في ترتيب الشبكية، إلا وسيطًا؛ عملها أن تحمل ما تلتقطه غيرها. لم يكن أحد ينتظر منها أن ترى. لكنها حين مُنحت الأداة، رأت.
أليس في المجتمعات أيضًا خلايا خُلقت لتستقبل الضوء؟ عقولٌ وجامعات ومنابر وأصوات، كان دورها أن تلتقط ما يجري حولها، وتنبّه، وتحوّل الواقع إلى إشارة يفهمها الجسد كله. وقد تذبل هذه الخلايا بفعل الزمن، أو تُطفأ بفعل فاعل، أو تُترك بلا رعاية حتى تموت في صمت. وحين يحدث ذلك، يعيش الجسد كله في عتمة، وإن ظلّت أعضاؤه الأخرى تعمل.
والسؤال الذي يطرحه هذا الاكتشاف علينا ليس سؤالًا طبيًا: هل نكتفي بنعي البصر؟ أم نبحث عن الخلايا التي ما زالت حيّة، تلك التي لم يُنتظر منها يومًا أن ترى، فنمنحها الأداة؟ شبابٌ في الأقاليم لم يمرّوا بالأبواب المعتادة، وباحثون في معامل فقيرة لا يعرفهم أحد، ونساءٌ أُبعدن طويلًا عن مواقع الرؤية، وعقولٌ صغيرة في فصول مزدحمة تنتظر من يحقنها بالسؤال لا بالحفظ.
إن الطريق إلى العقل، في الأوطان كما في الأجساد، كثيرًا ما يبقى سليمًا. العصب لم يُقطع، والمخ لم يتوقف عن انتظار الإشارة. كل ما نحتاجه أن نعترف بأن البصر لم يعد يأتي من حيث اعتدنا، وأن نملك الشجاعة لنعلّم خلايا أخرى أن تراه.
ثم يبقى درس الأمانة. فلم يقل أحد إن الأعمى أبصر، بل قيل بدقة إنه صار يرى وجود الأشياء ومواضعها. والإصلاح الحقيقي، مثل العلم الحقيقي، لا يعد بالمعجزات، بل يصف حدود ما أنجز بصدق، ثم يواصل.
قد لا يقرأ ذلك الرجل كتابًا أبدًا. لكنه حين مدّ يده ولمس شيئًا رآه، كان يلمس نيابةً عنّا جميعًا حقيقةً بسيطة: أن الإنسان لا يكفّ عن البحث عن الضوء، وأن النور لا يحتاج دائمًا إلى العين التي خُلقت له، بل إلى من يؤمن بأن عيونًا أخرى قادرة على أن تُبصر.
تحية لمن صعدوا إلى منصة التكريم، وتحية أعمق لمن صنعوا الضوء ثم وقفوا في الظل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى