
حذر أنور الغربي، رئيس مركز جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان، من إشكاليات قانونية وسياسية تحيط بتشكيل ما يسمى «مجلس السلام» المكلف بالإشراف على الترتيبات الانتقالية في قطاع غزة، معتبرًا أن المجلس قد يتحول إلى شكل من أشكال الوصاية السياسية دون توفير ضمانات حقيقية لحماية الفلسطينيين وحقوقهم.
وقال الغربي إن الإشكالية الأساسية تتمثل في نشأة المجلس وطبيعة الصلاحيات الممنوحة له، موضحًا أنه جاء ضمن خطة وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل أن يتبنى مجلس الأمن الدولي إطارها بموجب القرار رقم 2803 لسنة 2025.
وأضاف أن صدور قرار دولي يرحب بإنشاء المجلس ويمنحه صلاحيات انتقالية لا يجعله فوق قواعد القانون الدولي، ولا يسمح له بتجاوز المبادئ المتعلقة بحق الشعوب في تقرير المصير وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة ومسؤوليات القوة القائمة بالاحتلال.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة كانت صاحبة المبادرة السياسية التي أفضت إلى تشكيل المجلس ووضعت الإطار العام لعمله وتوجهاته الأساسية، فيما جاء الغطاء الدولي لاحقًا، وهو ما اعتبر أنه يثير تساؤلات بشأن استقلالية المجلس ومدى خضوعه للمساءلة والرقابة الدولية.
وأوضح الغربي أن هناك فارقًا قانونيًا بين منح إطار دولي مؤقت صلاحيات محددة تتعلق بإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية، وبين تحول تلك الصلاحيات إلى شكل من أشكال الوصاية السياسية على الشعب الفلسطيني.
وأكد أن أي إدارة انتقالية يجب أن تكون محددة الصلاحيات والمدة، وأن تخضع لرقابة واضحة، وألا تتحول إلى بديل عن المؤسسات الوطنية الفلسطينية أو أداة للانتقاص من السيادة والحقوق الفلسطينية.
واعتبر أن من أخطر جوانب المشروع غموض العلاقة بين «مجلس السلام» والأمم المتحدة، وطبيعة الرقابة على قراراته وآليات مساءلة القائمين عليه، مشيرًا إلى أن المجلس ليس جهازًا فرعيًا تابعًا للأمم المتحدة رغم حصول الترتيبات المتعلقة بغزة على تأييد مجلس الأمن.
وشدد على أن منح هيئة انتقالية شخصية قانونية دولية لا يجعل قراراتها محصنة من النقد أو الطعن القانوني، ولا يعفيها من الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وحذر الغربي من منح القائمين على إدارة غزة حصانات واسعة من المساءلة، أو السماح بالتصرف في الموارد والممتلكات العامة دون ضمانات قانونية ورقابة مستقلة، معتبرًا أن ذلك قد يمس حقوق الفلسطينيين وقدرتهم على اللجوء إلى القضاء وطلب الإنصاف.
وأكد أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق الأصيل في تقرير مستقبل أرضه ومؤسساته، وأن استبعاده من صياغة القرارات المتعلقة بإدارة غزة وإعادة إعمارها يضعف، من وجهة نظره، الشرعية السياسية والأخلاقية لأي ترتيبات تفرض عليه.
وأضاف أن المسؤولية القانونية لإسرائيل عن الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تسقط بمجرد إنشاء مجلس دولي أو لجنة إدارية محلية، ولا يجوز استخدام ترتيبات المرحلة الانتقالية لتخفيف الالتزامات القانونية الواقعة على القوة القائمة بالاحتلال تجاه المدنيين.
وأشار إلى أن القانون الدولي الإنساني يفرض التزامات تجاه السكان المدنيين، ولا يسمح، بحسب قوله، بإخضاع الغذاء والدواء والمأوى وإعادة تشغيل المرافق الأساسية لمساومات سياسية تمس حياة السكان وكرامتهم.
واعتبر الغربي أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتعثر عمليات إعادة الإعمار، رغم وجود المجلس، يثير تساؤلات بشأن جدوى الإطار القانوني والسياسي الذي أُنشئ ومدى امتلاكه أدوات حقيقية لحماية المدنيين وضمان احترام القانون الدولي.
وحذر من اختزال القضية الفلسطينية في أزمة إنسانية وأمنية من خلال هذه الترتيبات، بدلًا من التعامل معها باعتبارها قضية شعب يطالب بإنهاء الاحتلال واستعادة حقوقه الوطنية.
كما حذر من تحول الصلاحيات الانتقالية إلى وضع دائم يكرس الفصل بين قطاع غزة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويفتح الباب أمام إدارة خارجية طويلة الأمد دون تفويض فلسطيني.
وطالب الغربي بإخضاع أعمال «مجلس السلام» لرقابة قانونية دولية واضحة، وتحديد مدة ولايته وحدود صلاحياته وآليات مساءلته، وضمان عدم تعارض إجراءاته مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين.
كما دعا المؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية إلى متابعة أعمال المجلس وتقييم مدى التزامه بالقانون الدولي، ومراقبة أي إجراءات قد تؤثر في حقوق الفلسطينيين أو ممتلكاتهم أو قدرتهم على إدارة شؤونهم بصورة مستقلة.
واختتم الغربي بالتأكيد على أن الإرادة الأمريكية التي أفضت إلى تشكيل المجلس لا يمكن، من وجهة نظره، أن تكون بديلًا عن الإرادة الفلسطينية، معتبرًا أن أي مشروع للسلام لا يستند إلى إنهاء الاحتلال واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير سيظل «مشروعًا سياسيًا هشًا»، مهما تعددت الجهات الراعية له.







