مقالات وآراء

د.عبد الفتاح طوقان يكتب: السيادة الوطنية تبدأ من داخل الدولة

السيادة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا مادةً تُكتب في الدستور فحسب؛ إنها ممارسة يومية تبدأ من رئيس وزراء كفوء وذوً رؤية وكاريزما وصاحب ولاية وتمتد إلى أصغر موظف في مؤسسات الدولة.

وتعني أن تُدار شؤون الأردن بإرادة أردنية، من اعماق شعور وطني مرتبط بالارض الأردنية ومنتمى لها في مواجهة التضليلات و التجنيسات ، وأن تصدر قرارات الحكومة وفق مصالح المواطنين وأولوياتهم، لا استجابةً لإملاءات خارجية أو ضغوط تمس استقلال القرار الوطني.

وتتحقق السيادة حين تمتلك الدولة قرارها في إدارة اقتصادها ومواردها وأموالها، وتوجّهها لخدمة الناس وتعزيز قدرتهم على العيش الكريم.

فالموارد الوطنية أمانة تقتضي الشفافية وحسن الإدارة والمساءلة. والسيطرة الوطنية عليها لا تعني الانغلاق أو رفض التعاون، بل تعني أن يكون التعاون خيارًا متكافئًا، وأن تظل الأولوية لما يقرره الأردنيون حسب الدستور لأنفسهم وليس ما يقرره غير الأردنيون .

ومن هذا المنطلق، لا يجوز أن تتحول توصيات المؤسسات المالية الدولية، ومنها البنك الدولي، إلى بديل عن القرار الوطني أو إلى وصفات تُطبّق دون نقاش يراعي ظروف الأردن واحتياجات مواطنيه.

كما ينبغي أن تقوم علاقة الأردن بالسفارات والدول الأخرى على الاحترام المتبادل، لا على الوصاية أو التدخل في شؤونه.

أما المعونات، بما فيها الأمريكية، فيجب أن تكون دعمًا واضحًا وشفافًا، لا أداة ضغط أو وسيلة لانتزاع مواقف وقرارات تُضعف استقلال الدولة وكرامة شعبها. فالمساعدة التي تقيّد الإرادة لا تعزز السيادة؛ والسيادة تقتضي قدرة الدولة على التفاوض والرفض واختيار البدائل.

لكن الحديث عن الضغوط الخارجية لا يعفي الحكومات من مسؤولياتها الداخلية. فإضعاف القرار الوطني قد يبدأ من حكومة تتردد في اتخاذ القرار، أو تنغمس في التنظير والوعود، بينما تتأخر الإجراءات الملموسة.

ويسمع المواطن خططًا واستراتيجيات ومؤتمرات، لكنه لا يرى أثرها في فرص العمل، أو جودة الخدمات، أو ضبط الإنفاق. عندها تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي وحياة الناس، وتتراجع الثقة بمؤسسات الدولة.

ولا تكفي مناقشة تغيير الحكومة أو إجراء تعديل موسع فيها ما لم يصاحب ذلك حديث جاد عن النهج الذي ينبغي أن تقوم عليه الدولة. فقد تستمر الحكومة حتى نهاية العمر الدستوري لمجلس النواب، وقد تتغير قبل ذلك؛ لكن الأهم أن يكون هناك نهج واضح، أساسه الدستور والقانون، لا وعود معلّقة ولا تصورات بعيدة عن الواقع.

فالنهج الوطني ليس خيالًا ولا دفترًا تُسجّل فيه الطلبات كما في دفاتر البقالة قديمًا، فيما نصف ما يُطلب غير متوافر. إنه التزام عملي يحدد الأولويات، ويربط القول بالإنجاز، ويجعل المسؤولية والمحاسبة جزءًا من عمل مؤسسات الدولة.

وهذا النهج هو نواة الانتقال السياسي الضروري للتنمية الاقتصادية الوطنية وصون القرار المستقل. ويتطلب خطة متكاملة وواضحة، لا تقتصر على دورة حكومية أو انتخابية واحدة، بل تُعدّ الأجيال القادمة لتسلّم المسؤولية بثقة، وتوضح لها ما تحقق وما بقي من عمل، وما الموارد المتاحة وما التحديات القائمة.

فالمستقبل لا يُبنى بالارتجال، بل بتراكم الإنجاز واستمرار السياسات النافعة وتطويرها.

الحكومة الفاعلة لا تُقاس بما تعلنه من أهداف، بل بما تحققه على الأرض. وهي تحتاج إلى مسؤولين أكفاء، ومؤسسات تتعاون بدل تبادل المسؤولية، وعلاقة صريحة مع المواطنين تقوم على الاستماع والمحاسبة ونشر المعلومات. كما تحتاج إلى علاقات خارجية نشطة ومتوازنة، تحفظ المصالح الوطنية وتُدار من موقع الندية.

إن السيادة الوطنية تبدأ حين يشعر المواطن أن حكومته تعمل لمصلحته، وأن المال العام يُدار بشفافية، وأن القرار السياسي والاقتصادي يُتخذ بإرادة وطنية. ولا تُصان السيادة بالشعارات وحدها، بل بحكومة تنجز، ومؤسسات تُحاسَب، وخطة واضحة تمهّد الطريق أمام من سيتسلمون المسؤولية مستقبلًا، بلا تعرجات سياسية ولا مطبات تعطل التنمية.

فالسيادة الحقيقية أن يتعاون الأردن مع العالم من موقع الندية، وأن يرسم أبناء الوطن طريقه بثقة ومسؤولية لتبقى راية الوطن عالية خفاقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى