مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: الساحل السوري: ثغرة في جدار الإفلات من العقاب

مساءلة عسكريين وأفراد من جماعات مسلحة في قضية واحدة تحمل إشارة تستحق التقدير. وتحويلها إلى ثقة عامة يمر عبر عدالة مستقلة، وأحكام معللة، وحقوق مصونة للضحايا والمتهمين.

للبزة العسكرية أن تدل على وظيفة صاحبها. أما أن تحميه من المساءلة عن القتل والتعذيب، فذلك ما ينبغي أن ينتهي. من هذه الزاوية، أقرأ الأهمية الأولى لمنطوق الحكم المعروض بشأن أحداث الساحل السوري: إدخال أشخاص ينتمون إلى وزارة الدفاع في دائرة المحاسبة، إلى جانب متهمين بأفعال مرتبطة بجماعات مسلحة. إنها إشارة إيجابية إلى إمكان إخضاع حاملي السلاح لسلطة القانون.

وبصفتي مختصًا في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، أرى في هذا الاتجاه فرصة تستحق الدعم والمتابعة. وأستند في هذه القراءة إلى المنطوق المتاح، مع بقاء التقييم الكامل للحكم مرهونًا بالاطلاع على نسخته الرسمية وأسبابه وإجراءات المحاكمة.

تبدأ قيمة المساءلة حين يصبح السؤال القضائي محددًا: ماذا فعل المتهم؟ وما الأدلة على مساهمته؟ وتكبر هذه القيمة حين يُطرح السؤال نفسه على الجميع. لذلك، فإن ورود منتسبين إلى مؤسسة عسكرية ضمن المحكوم عليهم يحمل دلالة تتجاوز أشخاصهم؛ فهو يفتح إمكان ترسيخ قاعدة مؤداها أن الانتماء المؤسسي لا يغني عن فحص المسؤولية الفردية. والمساواة أمام القضاء ضمانة تقررها المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي سياق أحداث ذات بعد طائفي، يكتسب تحديد المسؤوليات بالأسماء والأفعال أهمية مضاعفة. فكل مسؤولية تثبت على أساس الأدلة تساعد على تضييق مساحة الاتهام الجماعي. وكل تمييز بين مرتكب الفعل والمتدخل فيه يتيح مساءلة أكثر دقة، متى بيّن الحكم أساس هذا التمييز. وهذه قراءة تتصل بمبدأ المسؤولية الجنائية الفردية الذي يحتل موقعًا أساسيًا في القانون الجنائي الدولي.

ومن هنا أيضًا تأتي أهمية إدراج التعذيب في نطاق المحاسبة. فالتعامل القضائي معه يضع كرامة الضحية وسلامتها في صلب القضية، ويؤكد وجوب مساءلة من يرتكبه ومن يشارك فيه. واتفاقية مناهضة التعذيب واضحة في حظر تبريره بالظروف الاستثنائية، وفي وجوب تجريمه وفرض عقوبات تراعي خطورته. وتبقى ملاءمة العقوبات الواردة في هذه القضية مسألة تحتاج إلى قراءة الوقائع الثابتة والتسبيب القضائي، بعيدًا عن الاكتفاء بعدد سنوات السجن.

ولأحكام البراءة الواردة في المنطوق دلالتها كذلك. فالقضاء يمارس وظيفته حين يفحص موقع كل متهم على حدة، ويحفظ قرينة البراءة. ويمكن لاجتماع الإدانة والبراءة في قضية واحدة أن يشير إلى هذا التمييز. لكن استقلال المحكمة وعدالة إجراءاتها يحتاجان إلى أدلة أوسع: دفاع فعّال، وفحص جاد للأدلة، وتسبيب قابل للمراجعة، وإتاحة الطعن وفق القانون. تلك هي الضمانات التي تمنح النتيجة القضائية قدرتها على الإقناع.

ويفرض صدور الحكم عن محكمة عسكرية تدقيقًا خاصًا في استقلالها واختصاصها، وفي صفة الأشخاص المحاكمين أمامها. كما تفرض عقوبة الإعدام الواردة في المنطوق تحفظًا حقوقيًا صريحًا. فتقدير خطوة المساءلة لا يستتبع تأييد هذه العقوبة. وتؤكد اللجنة المعنية بحقوق الإنسان القيود الصارمة على استخدامها، وضرورة استيفاء ضمانات المحاكمة العادلة، وتقرر، كقاعدة عامة، عدم محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية في جرائم عقوبتها الإعدام. والمنطوق المختصر لا يتيح التحقق من استيفاء هذه الشروط

أما الضحايا، فتتجاوز حقوقهم لحظة النطق بالعقوبة. إنهم يحتاجون إلى معرفة الوقائع، وفهم ما أثبته القضاء، والحصول على الإنصاف. وفي جرائم التعذيب، يشمل ذلك التعويض العادل والمناسب ووسائل إعادة التأهيل، وفق المادة الرابعة عشرة من اتفاقية مناهضة التعذيب. وإدماج هذه الحقوق في مسار المحاسبة يمنح الحكم أثرًا ملموسًا في حياة المتضررين.

لهذا يستحق المنطوق المعروض قراءة إيجابية يقظة. فهو يتيح رؤية احتمال مهم: أن يصبح انتهاك الحقوق سببًا للمساءلة مهما كانت جهة مرتكبه. ويحتاج هذا الاحتمال إلى أحكام منشورة ومعللة، وتحقيقات تتبع الأدلة إلى جميع المسؤولين، وضمانات تحمي كل من يقف أمام القضاء.

في الساحل السوري، يمكن لهذه الخطوة أن تساعد على إعادة بناء الثقة. ويتوقف عمق أثرها على ما يليها: أن يجد الضحايا طريقًا إلى الإنصاف، وأن يطمئن المواطن إلى أن القانون قادر على مساءلة من يحمل السلاح.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى