
منح نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام انتصار لقوّة القانون في مواجهة قانون القوّة، وصفعة لترامب ونتنياهو ورسالة دعم للعدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم.
جائزة نوبل للسلام واحدة من ستّ جوائز سنوية تحمل اسم نوبل، وتغطّي خمسة مجالات أخرى، هي الطب والفيزياء والكيمياء والعلوم الاقتصادية والأدب. ولأنّ “السلام” يُعدّ أكثر هذه المجالات التصاقاً بالأوضاع السياسية والأيديولوجية، فمن الطبيعي أن يثير الإعلان عن أسماء الحاصلين على “جائزة نوبل للسلام” كلّ عام جدلاً واسعاً، خصوصاً أنّ هذه الجائزة بالذات تُمنح لأشخاص أو مؤسّسات ترى اللجنة المختصّة أنّهم قدّموا إسهامات يُعتدّ بها في تسوية النزاعات والصراعات الدولية واحتوائها، أو التخفيف من حدّة الأضرار الناجمة عنها، أو حماية حقوق الإنسان والدفاع عنها في مواجهة الأنظمة القمعية التي تنتهكها، أو ملاحقة مجرمي الحرب ومرتكبي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية. وجميعها أمور تتباين فيها وجهات النظر وتتعدّد الاجتهادات. لذا، تتعرّض قرارات اللجنة المختصّة باختيار الفائزين لانتقادات متنوّعة كلّ عام، تصل أحياناً إلى حدّ توجيه اتهامات حادّة، تدور في معظمها حول أمور من قبيل “تسييس الجائزة” و”ازدواجية المعايير” والانحياز لقيم الحضارة الغربية ومعاييرها، وغيرها من الاتهامات المتكرّرة.
ففي العام الماضي، مُنحت جائزة نوبل للسلام لماريا كورينا ماتشادو، التي وُصفت بأنّها “مناضلة من أجل الحقوق الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة” في فنزويلا، ما أثار جدلاً واسعاً بسبب العلاقة الخاصة التي تربطها بالرئيس ترامب. وقد تأكّدت هذه العلاقة بعدما أهدت ماتشادو ترامب ميداليتها في كانون الثاني/يناير 2026، على الرغم من أنّ الجائزة نفسها غير قابلة للنقل أو التقاسم أو السحب. وفي عام 2019، مُنحت الجائزة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، “لدوره في تحقيق المصالحة مع إريتريا”، وسرعان ما تبيّن أنّ قرار اللجنة المانحة بُني على توقّعات ثبت لاحقاً أنّها خاطئة، خصوصاً عقب اندلاع الحرب في إقليم تيغراي عام 2020، وتدهور العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا من جديد. وفي عام 2009، مُنحت الجائزة للرئيس أوباما بعد تسعة أشهر فقط من دخوله البيت الأبيض، “تقديراً لجهوده المعلنة في تعزيز الدبلوماسية والتعاون الدولي والحد من الانتشار النووي”، ثم تبيّن لاحقاً أنّ قرار اللجنة استند إلى توقّعات تتعلّق بالتوجّه السياسي، لا إلى إنجازات تحقّقت فعلاً. وفي عام 1993، تقاسم فريدريك دي كليرك الجائزة مع المناضل الكبير نيلسون مانديلا، رغم التباين الهائل بين الدور التاريخي للرجلين وموقع كلّ منهما من نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وفي عام 1978، تقاسم رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن الجائزة مع الرئيس المصري أنور السادات، عقب توقيعهما على اتفاقيتَي كامب ديفيد، رغم ماضي بيغن الإرهابي وموقفه المتعنّت للغاية من عملية التسوية، الذي تسبّب في إهدار فرصة كبيرة لتحقيق سلام شامل في المنطقة عقب زيارة السادات للقدس عام 1977.
يتّضح من هذه الأمثلة، وغيرها كثير، أنّ اللجنة المانحة للجائزة تتّخذ قراراتها لأسباب شديدة التباين، كالرغبة في تشجيع مفاوضات تبدو واعدة في لحظة ما، وقادرة على تحقيق سلام يُنهي الصراع أو يخفّف من حدّته، ثم يتبيّن لاحقاً أنّها لم تكن سوى مناورة لإدارة الصراع لا لتسويته، وأنّ حسن النيّة المطلوب لم يتوافر فيها.
وقد يكون الهدف تسليط الضوء على قضية تتعلّق بحقوق الإنسان والديمقراطية ومقاومة الاستبداد، من خلال تكريم شخصية أو حركة سياسية أو منظّمة دولية بعينها، بما يتيح لمانحي الجائزة قدراً من القدرة على التأثير في مسار الأحداث، ودفعها في اتجاهات معيّنة تخدم قضايا السلم والأمن الدوليين.
وتبدو اللجنة، في أحيان كثيرة، متشدّدة في تقييم المرشّحين من خارج الدول الغربية، ومتساهلة مع المرشّحين من الدول الغربية أو من “إسرائيل”. كما تبدو، في أحيان أخرى، أكثر اهتماماً بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في حالات أو مناطق بعينها، وغير مكترثة بالقضايا نفسها في مناطق أو حالات أخرى، كأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي التي تحتلّها “إسرائيل”، على سبيل المثال لا الحصر. وقد برّر ذلك العديد من الاتهامات التي وُجّهت سابقاً إلى اللجنة المانحة، خصوصاً تلك المتعلّقة باستخدام معايير مزدوجة والانحياز لمنظومة القيم الغربية. ومن الطبيعي، في سياق كهذا، أن يشكّل قرار منح القاضية نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام هذا العام مفاجأة سارّة لكثيرين، وأن يُعدّ قراراً شجاعاً في الوقت نفسه، خصوصاً أنّه جاء في وقت تصرّ فيه الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، على الاستخدام الكثيف للقوّة بدلاً من الانصياع للقانون.
للسيدة بيلاي تاريخ طويل من النضال ضدّ نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والدفاع عن حقوق الإنسان في العالم أجمع. والأهم أنّ لها باعاً طويلاً في ملاحقة المجرمين وضمان معاقبتهم وعدم إفلاتهم من العقاب. فقد كانت بيلاي أول قاضية سوداء تُعيَّن في المحكمة العليا في جنوب أفريقيا، وتولّت رئاسة المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجرائم الإبادة الجماعية في رواندا خلال الفترة بين عامَي 1999 و2003، وشغلت منصب المفوّضة السامية لحقوق الإنسان خلال الفترة بين عامَي 2008 و2014. كما تولّت رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلّة بشأن الأراضي الفلسطينية، التابعة للأمم المتحدة، خلال الفترة بين عامَي 2021 و2025، وهي اللجنة التي تضمّن تقريرها أدلّة قاطعة على أنّ “إسرائيل” ارتكبت، وما زالت ترتكب، جرائم إبادة جماعية ضدّ الشعب الفلسطيني في الأراضي التي تحتلّها. ولا شكّ في أنّ هذا التاريخ الحافل يؤهّل القاضية نافي بيلاي، من الناحية الموضوعية البحتة، للحصول على جائزة نوبل للسلام.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ اللجنة التي قرّرت منح القاضية بيلاي هذه الجائزة المرموقة كانت تدرك تماماً أنّ رئيس أقوى دولة في العالم، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يكتفي بالتعبير عن استهتاره بحقوق الإنسان واحتقاره لكلّ من يتصدّى للدفاع عنها، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، متعمّداً عرقلة العدالة وملاحقة المسؤولين عن تطبيق قواعد القانون الدولي، ومحاصرة المؤسّسات المعنية بالحدّ من استخدام القوّة وترسيخ سيادة القانون في النظام الدولي، وتضييق الخناق عليها.
لقد ذهب إلى حدّ فرض عقوبات قاسية على العاملين في هذه المؤسّسات، وهو ما يتّضح بجلاء من موقفه من المحكمة الجنائية الدولية. فلم يكتفِ بفرض عقوبات شخصية على العديد من قضاتها، كتجميد أموالهم وممتلكاتهم في البنوك الأميركية وحرمانهم من دخول الولايات المتحدة، بل حرّض أيضاً الدول الأعضاء على الانسحاب منها، وحذّرها من التعاون معها وتمكينها من القيام بوظائفها. ولم يكن ذلك إلا لأنّ المحكمة وافقت على فتح تحقيقات في الاتهامات الموجّهة إلى عدد من المسؤولين الإسرائيليين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وأصدر المدّعي العام للمحكمة، استناداً إلى هذه التحقيقات، مذكّرة توقيف بحقّ كلّ من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. ولأنّ كثيرين توقّعوا أن يسيطر الخوف على الجميع في ظلّ أجواء دولية موبوءة كهذه، كان من الطبيعي أن يشكّل قرار منح القاضية بيلاي جائزة نوبل للسلام مفاجأة كبرى، راحت أصداؤها تتردّد في مختلف أنحاء العالم.
هذا القرار لا يشكّل تحدّياً صارخاً للرئيس الأميركي ترامب وحليفه الإسرائيلي نتنياهو فحسب، بل يُعدّ صفعة قوية لكلّ ما يمثّلانه على الصعد السياسية والقانونية والأخلاقية والإنسانية. وإن دلّ هذا القرار على شيء، فإنّما يدلّ على أنّ شرائح مؤثّرة من النخب العالمية بدأت تضيق بتصرّفات قادة من أمثال ترامب ونتنياهو، وتدرك مدى ما تمثّله هذه التصرّفات من خطورة على مؤسّسات النظام الدولي، وما تنطوي عليه من تهديد للسلم والأمن الدوليين. وبالتالي، فإنّ الاستسلام لها، أو حتى قبول التعايش معها، لن يؤدّي إلا إلى نتيجة واحدة، هي سيادة قانون الغاب واختفاء العدالة وقواعد القانون من النظام الدولي، وهو ما ينبغي ليس تجنّبه فحسب، بل تحدّيه والتصدّي له أيضاً. لذا، ليس من المستبعد أن يبثّ هذا القرار روحاً جديدة في نفوس القوى الحيّة في المجتمع الدولي، وأن يشجّعها على النهوض وعدم الاستسلام للأمر الواقع الذي يسعى ترامب إلى فرضه على النظام الدولي الحالي.
لم يكن غريباً، في سياق كهذا، أن يرحّب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بقرار منح بيلاي جائزة نوبل للسلام، مؤكّداً أنّ النهج المشرّف لهذه القاضية يُظهر الحاجة الماسّة إلى “انتصار قوة القانون على قانون القوة”. أمّا دونالد ترامب، فقد وصف القرار بأنّه “مخزٍ ومحرج ويشكّل وصمة عار لا تُمحى في جبين النرويج وكلّ من ساهم في اتّخاذه”، مضيفاً أنّه “يُفقد جائزة نوبل للسلام مصداقيتها على يد حفنة من أصحاب الأيديولوجيات المتطرّفة المعادين للديمقراطية، والذين هم في حقيقة الأمر أعداء للحضارة”.
بقي أن نشير هنا إلى أنّ حيثيات منح نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام هذا العام ذكرت أنّ هذه القاضية الجليلة “كانت عنصراً أساسياً في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية، وأنّ عملها يمثّل مصدر أمل وإلهام للساعين إلى عالم أكثر سلاماً”. ولا شكّ في أنّ هذا الأمل الملهم هو ما يُضفي على حصولها على جائزة نوبل للسلام، في هذا التوقيت بالذات، أهمية استثنائية.
تحية لهذه القاضية العظيمة على كلّ ما قامت به من أجل الإنسانية والعدالة والسلام وحقوق الإنسان في العالم، وتحية للجنة نوبل التي وجّهت، عبر قرارها الشجاع، صفعة مدوّية، ليس إلى ترامب ونتنياهو وأمثالهما فحسب، بل إلى كلّ من يعتقد أنّ بمقدور القوّة الغاشمة أن تُضفي أيّ قدر من الشرعية على الأمر الواقع في غياب العدالة.







