مقالات وآراء

د.عبدالفتاح طوقان يكتب: الأوطان لا تموت حين تُنهب

لا تموت الأوطان لمجرد أن تُنهب في وضح النهار اوًخلسة بالليل ، ولا لأن حكوماتها ضعيفة تعجز عن حماية المال العام ومحاسبة الفاسدين. لكنها تبدأ بالموت حين يتعلّم أبناؤها من حكوماتهم كيف يبرّرون النهب، ويصمتون عنه، ثم يسمّون صمتهم حكمةً وولاء.

لا يوجع الوطنَ الفسادُ وحده، بل يوجعه المسؤول الذي يبيع ضميره ليحمي جماعته ومصالحه، والذي يصمت كي يبقى في منصبه. هنا تبدأ المأساة: حين يتخلّى المرء عن مبادئه، ثم عن مسؤوليته، ثم يطلب من الناس أن يسمّوا خنوعه انتماءً.

وتشتدّ المأساة حين يرى المسؤول وطنه يُنهب، وكرامته تُهان، ومستقبله يضيع، ثم يظل جزءًا من حكومة لا تحارب الفساد ولا تمنعه، بل يصفّق لها ويبرّر عجزها ويدافع عن رئيسها . فالمسؤولية ليست منصبًا يُصان بالصمت؛ إنها أمانة وموقف وجدارة ومحاسبة.

وأقسى ما يصيب الأوطان أن يتحوّل ضمير مسؤوليها إلى محامٍ عن خرابها، شيطان يدافع عن الفاسدين وشركائهم بدلًا من أن يسأل: أين ذهبت حقوق الناس؟ وكيف صار المال العام غنيمة؟ ولماذا يُكافأ العاجز بتدويره من وزارة إلى أخرى، كأن تبديل الكراسي الحكومية يصلح ما أفسدته السياسات؟

ولا حماية للوطن من التدهور من دون قيادة تضع المصلحة العامة فوق المكاسب الشخصية.

نحتاج إلى رئيس وزراء واعٍ بما يتطلبه الوطن، حريص عليه، صاحب رؤية وطنية واضحة وقوية، وقرار مستقل، وقدرة على اختيار فريق كفؤ ومحاسبته ولديه رؤية مستقبلية وحلول وبرامج زمنية .

نحتاج رئيس حكومة قائدًا لا تابعا ، واثقًا من نفسه لا متردد ينتظر الهاتف والتوجيه ، رئيس وزراء لا يخشى اختيار وزيرًا قويًا أو صاحب رأي؛ فالقائد الواثق يرى في الكفاءة سندًا، وفي الاختلاف البنّاء وسيلة لتحسين القرار، لا تهديدًا لمكانته.

ويبدأ اختيار الوزراء بأعادة تحديد حاجات كل وزارة وأهدافها، وكتابة وصف وظيفي لكل منتسبيها من الوزير الي الغفير على البوابة ، ثم البحث عن أصحاب الاختصاص والخبرة والنزاهة والإنجاز، لا عن أصحاب الولاء الشخصي أو العلاقات أو المحاصصة او الشللية .

وينبغي تقييم المرشحين لمنصب الوزير وفق سجلهم العملي، وقدرتهم على وضع خطط واقعية، وفهمهم للتحديات، ونجاحاتهم السابقة المحلية و الدولية واستعدادهم للعمل بشفافية وقبول الرقابة والمساءلة والاعتراف بالأخطاء ان حدثت و الاستقالة ان لم يكن لهم القدرة الكافية على الانجاز .

كما يجب أن تُعلن أهداف كل وزارة بوضوح، وأن يُحاسب الوزير على ما ينجزه، لا على ما يقوله أو يَعِد به.

أما اختيار غير المؤهلين، فيحوّل الوزارة إلى عبء على الدولة: قرارات مرتجلة، وهدر للمال والوقت، وتعطيل للمشاريع، وتراجع للخدمات، وتفاقم للأزمات.

والأسوأ أن الوزير الضعيف قد يحيط نفسه بالأضعف، ويخشى الكفاءات، ويغطي إخفاقه بالتبرير أو إلقاء اللوم على غيره.

وهكذا تتسع دائرة العجز حتى تصبح الحكومة عاجزة وفاشلة عن حماية حقوق الناس أو مواجهة الفساد. فالوزراء الضعفاء لا ينهضون بالأوطان؛ بل قد يساهمون في إضعافها وتدمير مؤسساتها.

نحتاج وزراء يضعون مصلحة الوطن فوق مصالحهم ومصالح جماعاتهم، يصونون المال العام، ويتخذون قراراتهم باستقلال، ويشرحون للناس ما أنجزوه وما أخفقوا فيه. ومن يعجز عن أداء الأمانة، فعليه أن يترك موقعه بدل أن يُنقل إلى منصب آخر.

فالأوطان لا تُحمى بالشعارات والتصفيق وتجميل الفشل، بل بمؤسسات قوية ومسؤولين أكفاء يُحاسَبون، ومواطنين لا يُطلب منهم الصمت عن الخطأ.

قد ينجو الوطن من النهب، لكنه لا ينجو إذا تعلّم أبناؤه الكذب و النفاق و المداهنة والدفاع عن ناهبيه.

فالخراب يبدأ حين يصبح التبرير عادة، والصمت فضيلة زائفة، والفساد بلا حساب وكرسي الوزارة مثل كرسي الحلاق الذي مساوئه أنه قد يجعل المسؤول يرى المنصب غنيمةً مؤقتة، مثل “حلاقة ذقن سريعة “ينشغل بالبقاء فيه ومكاسبه بدل خدمة الناس، ويعامل من يجلس بعده علىً كرسي الحلاق كأن المنصب ينتقل بين أشخاص لا كأنه أمانة عامة.

واقصد أن الكرسي نفسه ليس المشكلة؛ المشكلة فيمن يجلس عليه وكيف يُحاسَب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى