مقالات وآراء

نادر فتوح يكتب: السيسي والدستور.. حين تصبح الذاكرة السياسية ضرورة

في أكتوبر 2013، كان اللواء أحمد وصفي، قائد الجيش الثاني الميداني آنذاك، ضيفًا على الإعلامي عمرو أديب، يتحدث بثقة عن طبيعة ما جرى في مصر بعد الثالث من يوليو.

وكان من بين ما قاله، في معرض نفي وصف ما حدث بالانقلاب العسكري، ما معناه أنه إذا أصبح الفريق عبد الفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية، فحينها يمكن الحديث عن انقلاب عسكري.

لم تمر سوى أشهر قليلة، حتى أصبح الفريق مشيرًا، ثم مرشحًا للرئاسة، ثم رئيسًا للجمهورية.

تذكرت هذه الواقعة وأنا أتابع ردود الأفعال على تصريحات السيسي الأخيرة بشأن الدستور المصري، وتأكيده أن للدولة دستورًا وافق عليه المصريون، ولن يمسه أحد.

وقد لفت انتباهي في بعض التعليقات ذلك الانبهار الشديد بالتصريح، واليقين الغريب بأن ما قيل اليوم يمثل تعهدًا نهائيًا لا يمكن التراجع عنه، وكأن التاريخ السياسي يبدأ من لحظة التصريح وينتهي عندها.

والحقيقة أنني توقفت طويلًا أمام هذا الانبهار، ليس لأن التصريح في حد ذاته غير مهم، وإنما لأن الذاكرة السياسية لا ينبغي أن تكون قصيرة إلى هذا الحد.

دعونا نعود قليلًا إلى الوراء.

في أغسطس 2013، كان السيسي يؤكد أنه لا توجد رغبة ولا إرادة في حكم مصر، وأن حماية إرادة المصريين أشرف من تولي السلطة. وبعد أشهر قليلة، وتحديدًا في مارس 2014، أعلن ترشحه لرئاسة الجمهورية.

وفي نوفمبر 2016، تحدث عن ضرورة ألا يستمر أي شخص في منصبه أكثر من المدة المحددة له.

ثم جاء نوفمبر 2017، ليؤكد تمسكه بفترتين رئاسيتين، مدة كل منهما أربع سنوات، وعدم تغيير ذلك.

وفي يناير 2018، وصف الدستور المصري بأنه دستور متطور ومتقدم جدًا.

لكن في أبريل 2019، وبعد أقل من عامين على تصريحاته بشأن الفترتين الرئاسيتين، جرى تعديل الدستور، وأصبحت مدة الرئاسة ست سنوات بدلًا من أربع، مع أحكام انتقالية أتاحت له الاستمرار في الحكم حتى عام 2030.

وهكذا، فإن الدستور الذي جرى التأكيد على تقدمه وتطوره، والحديث عن احترام المدد الرئاسية المنصوص عليها فيه، شهد بعد ذلك تعديلات جوهرية غيّرت قواعد البقاء في السلطة.

واليوم، يعود الحديث مجددًا عن الدستور، وعن احترامه وعدم المساس به، فتعود معه موجة من الاطمئنان واليقين بأن الأمر قد حُسم نهائيًا.

وربما يكون من المفيد هنا أن نتذكر أن كل تصريح من تلك التصريحات قيل في ظروفه السياسية، واستقبله كثيرون وقتها باعتباره تعبيرًا واضحًا عن موقف ثابت لا يحتمل التأويل.

لكن السنوات مرت، والظروف تغيرت، وتغيرت معها بعض المواقف، وأصبح ما كان مستبعدًا في وقت من الأوقات واقعًا دستوريًا وسياسيًا.

ولا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي تحمله السنوات المقبلة، ولا كيف ستبدو الظروف والحسابات السياسية حينها.

فقد يكون التصريح الأخير تعبيرًا عن موقف سيستمر، وقد تتغير الحسابات كما تغيرت من قبل. وبين الاحتمالين، يبقى التاريخ وحده كفيلًا باختبار مدى ثبات المواقف.

ما استوقفني ليس التصريح نفسه بقدر ما استوقفني ذلك اليقين الكبير الذي استقبله به البعض، وكأننا نتعامل مع السياسة بذاكرة السمكة، لا بذاكرة شعب عاش كل هذه التحولات خلال سنوات قليلة.

أما أنا، فكلما سمعت تصريحًا جديدًا، وجدت نفسي أعود تلقائيًا إلى الأرشيف، وأقرأ التصريحات القديمة، وأتأمل ما جرى بعدها.

وفي كل مرة، يرنّ في أذني تصريحه الذي لا يُنسى:

«لا والله.. ما لنا رغبة ولا إرادة في حكم مصر».

ثم أعود إلى التصريح الجديد، وأتساءل: هل نحن أمام موقف مختلف هذه المرة، أم أمام الكلمات نفسها وقد عادت إلينا بصياغة جديدة؟

لا أملك إجابة قاطعة، لكنني أملك ذاكرة، وأعتقد أنها تكفي على الأقل كي لا أتعجل الاطمئنان.

أما ما سيحدث في عام 2030، وما إذا كان الدستور سيبقى على حاله، أو سيشهد تعديلًا جديدًا، أو سيفرض الواقع السياسي مسارًا مختلفًا، فذلك أمر لا يمكن الجزم به اليوم.

وحتى ذلك الحين، سيظل السؤال قائمًا: هل تحكم النصوص الدستورية مستقبل السلطة، أم أن موازين القوة والظروف السياسية هي التي تحدد مستقبل النصوص نفسها؟

وإلى أن يأتي عام 2030، لا أجد ما هو أكثر إلحاحًا من استعادة الذاكرة، بدلًا من الاحتفال المبكر بتصريحات لم تختبرها الأيام بعد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى