مقالات وآراء

إيمان الجارحي تكتب: الإخوان المسلمون.. مصادر القوة ومخاطر التحلل الذاتي

قد لا يكون الخطر الأكبر على جماعة الإخوان المسلمين في الصراعات التي تهدد وحدتها، أو الدعوات التي تستهدف حلها، وإنما في أن تنجح في البقاء تنظيماً، بينما تتآكل تدريجياً مصادر القوة التي منحتها القدرة على الاستمرار والتأثير.

مصادر القوة لا النصوص المحفوظة:

ليس المقصود العودة إلى رسائل حسن البنا وإعادة شرح مفاهيم يعرفها أبناء الجماعة، ويستطيع غيرهم الرجوع إليها بسهولة. فالمشكلة ليست في نقص النصوص، وإنما في المسافة التي قد تنشأ بين معرفة المفهوم والعمل بمقتضاه.

يمكن النظر إلى مصادر قوة الجماعة من خلال أربعة مقومات متكاملة: المؤسسية، والفهم، والإخلاص، والعمل، فالمؤسسة تحتاج إلى فهم يُحدد وجهتها، والفهم يحتاج إلى إخلاص يحفظ مقصده، والإخلاص لا يُغني عن العمل، والعمل يحتاج إلى مؤسسات تحفظ الخبرات وتنقلها بين الأجيال. وتكمن قيمة هذه المقومات في قدرتها على توجيه الممارسة، وفي إمكان استخدامها معايير لمساءلة الواقع التنظيمي.

المؤسسية.. بقاء التنظيم لا يكفي:

لا شك أن البنية المؤسسية أحد العوامل التي ساعدت الإخوان على الاستمرار، بما أتاحته من نقل للخبرات والمحافظة على الروابط التنظيمية رغم تغير القيادات والظروف السياسية.

وتقوم المؤسسية على لوائح تضبط العمل وتحدد الصلاحيات والمسؤوليات، وعلى الشورى بوصفها أساساً لصنع القرار داخل مجالس الجماعة. فهي ملزمة وليست مُعْلِمة؛ تُلزم القائد قبل الفرد، ويجري تنفيذ ما تنتهي إليه من قرارات في إطار اللوائح. وبهذا تنتظم المشاركة في الرأي، والمسؤولية عن التنفيذ، والمحاسبة على الأداء، ويستمر العمل دون ارتهان لأشخاص بعينهم.

لا تمثل المنافسة على القيادة، في حد ذاتها، دليلاً على ضعف التنظيم؛ فقد تكون تعبيراً عن حيوية داخلية واختلاف في الرؤى. تبدأ المشكلة عندما تصبح المحافظة على المواقع أهم من المحافظة على المؤسسة، وتختلط شرعية المسؤول بشرعية الجماعة، فلا تعود مساءلته ممكنة دون أن تُفهم باعتبارها تهديداً لها.

أما الخلافات القيادية المعلنة فلا تكفي للحكم على جميع مؤسسات الإخوان، لكن قدرة الجماعة على إدارة التغيير بعيداً عن الارتباط بالأشخاص تظل اختباراً لفاعلية المؤسسية. فالمؤسسة التي تحمي التنظيم من التآكل مع مرور الزمن تجعل تجديد القيادة ممكناً دون أن يتحول إلى تهديد لبقاء الكيان.

الفهم.. من التكليف إلى المسؤولية:

هنا يكمن أحد أهم الاختبارات التي تواجه أي تنظيم قائم على أيديولوجية ومشروع، فليس كافياً أن يعرف الفرد المبادئ أو يحفظ الأدبيات أو يلتزم بالتكليفات. يظهر الاختبار عندما تغيب التعليمات، أو يتعذر الاتصال بالمؤسسة، أو يجد الفرد نفسه أمام واقع جديد لم تقدم له القيادة إجابة جاهزة. عندها يتضح مدى امتلاكه للفهم الذي يجعله قادراً على تقدير الموقف والتصرف بمسؤولية، أو تحول علاقته بالعمل إلى انتظار لتكليف تنظيمي.

كانت التربية الفكرية إحدى وسائل الجماعة في تكوين أعضائها، لكن نجاحها لا يُقاس بالانضباط وحده، فالانضباط يساعد الفرد على تنفيذ ما يُطلب منه، بينما يمكّنه الفهم من إدراك الغاية، والتمييز بين الوسيلة والمقصد، والتعامل مع المتغيرات.

وتظل للمؤسسات مسؤوليتها في تنظيم العمل وتنسيقه، كما تظل المبادرات الفردية قابلة للمراجعة. والمطلوب تحقيق توازن بين التربية على الفهم والمبادرة، والالتزام والتنسيق التنظيمي؛ بحيث يمتلك الفرد وعياً بالهدف والمبدأ، وقدرة على قراءة الواقع وتقدير المخاطر والتفكير النقدي، ويلتزم في الوقت نفسه بالقرارات المتفق عليها مؤسسياً، بما يحفظ وحدة العمل وفاعليته.

ويمكن التعبير عن هذا التوازن بعبارة “السمع والطاعة في الوسائل، والفهم في المقاصد”، على ألا تعني تعطيل التفكير في الوسائل أو إغلاق باب مراجعتها. فالانضباط ينظم التنفيذ، والفهم يتيح مناقشة القرار وتقييمه وتصحيحه. وبهذا تمتد آثار التربية إلى ما وراء السلطة الإدارية، دون أن تتحول المبادرة إلى عمل منفصل عن المسؤولية والتنسيق.

الإخلاص.. عندما تتقدم الغاية على الموقع:

لا يمكن الحكم على إخلاص الأشخاص أو نواياهم، لكن يمكن النظر إلى الممارسات التي تكشف مدى تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة. فالمواقع القيادية تمنح أصحابها سلطة وتأثيراً، وقد تنشأ حولها منافسات. وتكمن مسؤولية المؤسسة في وضع الضوابط التي تمنع تحول المنصب إلى غاية، أو تقديم المحافظة عليه على أداء واجباته.

لا تكفي الثقة في أخلاق المسؤولين، مهما كانت مكانتهم أو تضحياتهم، فالإخلاص لا يغني عن المحاسبة، والمحاسبة لا تعني التشكيك في الإخلاص. ويظهر الاختبار العملي في استعداد المسؤول لقبول المراجعة، والاعتراف بالخطأ، والتنازل عن موقعه عندما تقتضي مصلحة الجماعة ذلك. ففي هذه المواقف تنكشف المسافة بين إعلان الالتزام بالمصلحة العامة والعمل بمقتضاها.

لا بد من الإشارة هنا إلى محددات المصلحة العامة والمقيدة بالرأي الجمعي المؤسسي والقائم على الشورى المُلزمة وليس رأي المسئول.

العمل.. أثر الجماعة في حياة الناس:

لم تستمد الجماعة حضورها التاريخي من تماسكها التنظيمي وحده، بل من نشاطها الدعوي والتربوي والاجتماعي والسياسي، وصلتها بفئات من المجتمع المصري في مراحل مختلفة. وليس كل نشاط دليلاً على الفاعلية، كما أن محدودية النشاط لا تعني غياب الأثر. وقد تستهلك المؤسسة مواردها في إدارة شؤونها الداخلية، بينما تتراجع قدرتها على المبادرة وتقديم عمل يتجاوز حدود أعضائها.

إن تجديد العمل يقتضي البحث عن أدوات ومجالات تتناسب مع الظروف الراهنة، بدل الاكتفاء بمحاولة استعادة صور النشاط التي كانت متاحة في الماضي. ولذلك يُقاس العمل بأثره في حياة الناس، ومدى اتصاله باحتياجاتهم، وقدرته على المحافظة على الوظيفة الاجتماعية والفكرية والسياسية للجماعة.

عندما تتراجع القناعة بأهمية وجود التنظيم:

تمتد مصادر قوة الجماعة إلى علاقتها بأعضائها والمجتمع، وإلى القناعة بأهمية الدور الذي تؤديه. فعلى مستوى الأعضاء، قد تدفع الأزمات المتراكمة بعض الأفراد إلى مراجعة جدوى استمرار انتمائهم، خاصة عندما تضيق مساحة العمل أو تتراجع قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها. وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: الثقة في القيادة، والقناعة بجدوى التنظيم، والإيمان بالفكرة. فقد يتراجع أحدها دون أن يتراجع الآخران.

وهذا التمييز لا يعني الاستغناء عن أي منها، وإنما يساعد على معرفة موضع الخلل وعلاجه. أما فصلها عملياً بعضها عن بعض فقد يدفع إلى العمل في جُزر منعزلة، بدعوى فقدان الثقة في القيادة، أو عدم الاقتناع بجدوى التنظيم، أو الاكتفاء بالإيمان بالفكرة، بما يهدد الترابط الداخلي ويُضعف العمل الجماعي.

التحلل الذاتي.. خطر لا تثبته الخلافات وحدها

يُقصد بالتحلل الذاتي احتمال تراجع قدرة التنظيم على تجديد مصادر قوته: مؤسساته، وفهم أعضائه، وقيمه العملية، وصلته بالمجتمع. وقد يحدث ذلك تدريجياً دون أن يختفي الاسم أو تتوقف الأجهزة الرسمية عن العمل.

يتضح الفارق بين خلاف يفتح باب التجديد وخلاف يستنزف التنظيم في نتائجه: فالأول يتيح تصحيح الأخطاء وتوسيع المشاركة، بينما يعطل الثاني العمل ويعمق الارتباط بالأشخاص. ولهذا يحتاج تقدير الحالة إلى معرفة كيفية عمل المؤسسات، ومدى مشاركة الأعضاء، وطبيعة العلاقة بين الأجيال، وأسباب ابتعاد بعض الكوادر، وقدرة الجماعة على مراجعة قراراتها. بهذه المعرفة يمكن تقدير مدى احتفاظ التنظيم بمصادر قوته، وتحديد أوجه القصور التي تحتاج إلى معالجة.

حماية التنظيم أمام الضغوط الخارجية

من المهم التمييز بين الأزمة المفروضة قهراً والاستجابة الداخلية لها. فالقمع والبطش الأمني يعيقان الاتصال، ويعطلان الدورات القيادية الطبيعية، ويفرضان حالة من الكمون أو التراجع في مساحات العمل العام. وهذه الآثار لا تُعد في ذاتها عيباً بنيوياً في التنظيم، بل حالة ابتلاء فُرضت من خارج إرادته، ولا تُحاكم المؤسسة على ما فُرض عليها قهراً.

أما الاستجابة الداخلية فتتعلق بكيفية تعامل المؤسسة مع هذه الضغوط؛ وهنا تظهر قيمة المؤسسية الأصيلة؛ فالمؤسسة الراسخة تبذل جهدها للحفاظ على تماسكها وقيمها، ويشهد استمرار مؤسساتها وروابطها رغم القمع على قدرتها على الصمود وتجاوز عثرات الظرف القسري بحكمة ورويّة.

ما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟

أثبت تاريخ الجماعة قدرتها على الاستمرار في ظروف شديدة التعقيد، لكن اختبار المرحلة الراهنة يتعلق بما تحافظ عليه خلال هذا الاستمرار، وبما تستطيع تجديده. فالمؤسسية والفهم والإخلاص والعمل مقومات يكمل بعضها بعضاً، وتظهر قيمتها حين توجه القرارات، وتصحح الأخطاء، وتبقي الجماعة متصلة بالناس. ومن ثم تصبح مراجعة البنية التنظيمية جزءاً من مسؤولية الحفاظ على الجماعة، ويصبح قبول النقد وسيلة لحماية قدرتها على أداء دورها.

ويبقى الاختبار الأعمق في الإنسان الذي تنتجه: الإنسان الذي يفهم فكرته، ويتحمل مسؤوليته، ويعمل لها عن قناعة، حتى عندما يغيب التكليف أو تتعطل المؤسسة. فإذا بقي هذا الإنسان، ووجد مؤسسة تتيح له المشاركة والمبادرة وتحمل المسؤولية، بقيت للجماعة قدرة على التجدد. أما إذا أصبحت صلته بالفكرة مرهونة بالتعليمات والمواقع والهياكل، فقد يستمر التنظيم بينما يفقد تدريجياً القدرة على حمل المشروع الذي قام من أجله

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى