مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: من دستور ١٩٢٣ إلى دستور ٢٠١٤.. من «لجنة الأشقياء» إلى «محدش هيمسه»

لم يكن موقفنا من دستور ٢٠١٤ يومًا قبولًا مطلقًا بكل نصوصه، فقد كانت لنا تحفظات على بعض مواده، وانتقدنا تعديلات ٢٠١٩، خاصة ما تعلق منها بمدد الرئاسة. ومع ذلك، فإننا اليوم من أشد المتمسكين بعدم المساس بهذا الدستور، ليس لأننا نراه كاملًا، بل لأننا نرفض أن يتحول الدستور إلى ثوب يُفصّل على مقاس السلطة، كلما تغيرت رغباتها أو امتدت طموحاتها.

وللتاريخ المصري في هذا المعنى حكاية تستحق أن تُروى، تبدأ من تصريح الثامن والعشرين من فبراير ١٩٢٢، الذي أنهى الحماية البريطانية على مصر، مع احتفاظ بريطانيا بأربعة تحفظات انتقصت من الاستقلال. رفض سعد زغلول التصريح باعتباره استقلالًا منقوصًا، بينما تعامل عبد الخالق ثروت معه كخطوة يمكن البناء عليها.

وعندما شُكلت لجنة إعداد دستور ١٩٢٣، رفض سعد المشاركة فيها، وأطلق عليها وصفه الشهير «لجنة الأشقياء»، لأنه كان يريد جمعية تأسيسية منتخبة، لا لجنة تعينها الحكومة.

لكن سعدًا، الذي رفض طريقة إعداد الدستور، لم يرفض البناء على ما تحقق. خاض الوفد انتخابات ١٩٢٤، وفاز بأغلبيتها، وأصبح سعد رئيسًا للحكومة في ظل الدستور الذي اعترض على طريقة ميلاده.

والأكثر دلالة أن الوفد تحول لاحقًا إلى أحد أبرز المدافعين عن دستور ١٩٢٣. وعندما ألغاه إسماعيل صدقي عام ١٩٣٠، كان سعد قد رحل، لكن مصطفى النحاس ورفاقه خاضوا معركة استعادته، حتى عاد في ديسمبر ١٩٣٥.

اليوم، وبعد أكثر من قرن على تصريح فبراير، يأتي تصريح الرابع عشر من أكتوبر ٢٠٢٦، ليعيد إلى الذاكرة هذا الدرس، رغم اختلاف الظروف والأطراف وطبيعة الحدثين.

فالرئيس السيسي يقول عن الدستور «محدش هيمسه.. محدش هيمسه»، ونحن نرحب بهذا التعهد، دون أن نتخلى عن تحفظاتنا السابقة، أو نتنازل عن حقنا في المطالبة بتفعيله واحترام ضماناته، وتوضيح ما إذا كان التعهد يعني أيضًا انتهاء الولاية الرئاسية الحالية عام ٢٠٣٠ دون ترشح جديد.

لم يكن سعد زغلول مخطئًا عندما اعترض على طريقة وضع دستور ١٩٢٣، ولم يكن متناقضًا عندما تمسك به، وبنى عليه. فالاعتراض على النقص شيء، والتفريط في المكسب المتاح شيء آخر.

ولعل الدرس الأهم أن المعارضة الرشيدة لا تمنح السلطة شيكًا على بياض، ولا تمزق كل ورقة لم تكتبها بيدها.

فالسياسة ليست فن رفض الممكن انتظارًا للمستحيل، ولا فن قبول القليل باعتباره نهاية المطاف، بل القدرة على تحويل الخطوة إلى طريق، والمكسب إلى حق، والحق إلى ضمانة لا يجوز الانتقاص منها.

فقد نختلف مع الدستور، لكننا لا نقبل العبث به. وقد نشك في الوعود، لكننا لا نرفض البناء عليها. والتاريخ لا يصنعه الذين يكتفون بالشك، بل الذين يحولون الشك إلى ضمانات، والوعود إلى واقع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى