
وصلتني رسائل عديدة من اصدقاء وزراء تسلموا مناصب عليا منها الخارجية والداخلية والمياه والصحة وغيرها ومن كبار المسؤولين والشخصيات السياسية والعسكرية بعد المقالات السابقة التي نشرتها يسألوني عن كيف نتعامل مع بعض خيارات واختيارات روساء وزراء وكيف هي الطريقة الأصح لاختيار رئيس وزراء ؟ و استوقفني صباح اليوم رساله من صديق عزيز من اهم و اكبر العشائر الأردنية و تربطني به صداقة كبيرة وقوية وعملنا معا في الإمارات العربية فحواها ” من أين نأتي بمواطنين وقيادات يخافون الله وضميرهم ومصلحة الوطن تصبح عندهم فوق كل اعتبار ؟!؟!؟!” و رسالة اخرى من صديق تولى وزارة سيادية لأكثر من عشر أعوام مع رؤوساء مختلفين قال فيها “
هذه المقالة قاسية وان كانت تحمل في طياتها الحقيقة التى نخشى الحديث عنها ومن حيث عموميتها قاسية على العاملين الأمينين الذين بالفعل يضعون مصلحة العامة فوق اي اعتبار آخر. وهم من الأكفاء الذين تركوا ابناءهم يكبرون بدون وجود والدهم معهم. في الوطن وزراء أمناءعلى المال العام ومسؤولون آخرون كذلك. وهناك رؤوساء حكومات ضعاف وغير قادرين او مؤهلين استلموا المناصب.
لاحظ أننا نخاف ونخشى الطعن في رئيس الوزراء حتى لا يفسر بانه طعن بخيار الملك، وطعن بالوزراءايضاً هو طعن بإرادة الملك الذي قبل تنسيب الرئيس بهم. فكيف ترى ذلك وهو يتضارب مع مصلحة الوطن؟. انتهى الاقتباس .
ولذلك اكتب اليوم للتوضيح ومن خلال معرفتي الجيدة بعقلية الملك عبد الله الثاني والذي يحترم الرأي الآخر ويتطلع إلى تحقيق هدف إنجاح الأردن واستقراره وهو لا ينزعج بتاتا من أي نوع من الأفكار البناءة لتغيير النهج وتحسين الاداء بل يسعى للاستماع إلى نقد مفيد للأردن ومساعدا له في مسيرته لادارة شؤون البلاد . و الصمت و الخوف في الحديث عن اخطاء حدثت و تحدث فهذه الاخطاء سنه الحياة ولااحد معصوم من الخطاء وجل من يسهو . الصمت و إغفال قول الحق لملك البلاد هو قاتل للوطن وأكبر خطاء عندما يرى الشخص الاخطاء ولا يبادر إلى الحديث عنها ضمن أسلوب ادبيات وأخلاقيات التعامل مع الملك الذي هو منا ونحن منه كلانا أبناءا لهذا الوطن ومن حق الأردن علينا أن نتفانى لاجلها ونقول الحق وان كان على رقابنا .
وردا على ما وردني على هاتفي و بريدي الإلكتروني من استفسارات اقول انه لا يأتي المواطن الصالح والقيادي النزيه من فراغ، ولا تكفي مناشدة الناس بالتقوى والضمير. فالقيم تحتاج إلى تربية، والقيادة تحتاج إلى مؤسسات تُحسن الاختيار، وتراقب الأداء، وتحاسب على التقصير.
وحين تصبح المصلحة العامة فوق المحاباة والولاء الشخصي، يمكن بناء دولة يثق بها مواطنوها.
تبدأ صناعة المواطن المسؤول والوزير و رئيس الوزراء من البيت والمدرسة والجامعة، حيث يتعلم الإنسان أن احترام القانون واجب، وأن المال العام أمانة، وأن الاختلاف لا يلغي حق الآخرين.
ثم يأتي دور الدولة في ترسيخ هذه المبادئ بالممارسة؛ فلا معنى لتعليم النزاهة فيما يرى الناس أن الواسطة تُكافأ أو أن المخالفات تمر بلا مساءلة وان الفساد تحميه بعض الحكومات وتتغاضى عنه . القدوة العادلة أقوى من ألف خطاب.
أما اختيار رئيس الوزراء والوزراء، فيجب أن ينتقل من الغرف المغلقة ومن سراديب العلاقة الامنية ومجاملات «الشللية » والمصالح المتبادلة إلى معايير واضحة ومعلنة.
يُختار رئيس الوزراء والوزير على أساس الكفاءة والخبرة والنزاهة، لا القرب والولاء.
ويُطلب من كل مرشح أن يعلن مؤهلاته وخبرته ومصالحه المالية، وأن يقدم رئيس الوزراء تصورًا عمليًا لكيفية ادارة مجلس الوزراء وخططه المستقبلية وأدواته ورؤيته وتقديره للسنوات المقبلة وايضًا يقدم كل وزير للوزارة التي سيتولاها ما يفيد صلاحيته وكفاءته و خبرته وكيف سيكون قادرا على التحسين والتغيير ، يتضمن أهدافًا قابلة للقياس وجدولًا زمنيًا لتنفيذها.
وينبغي أن تمر الترشيحات بآلية مؤسسية شفافة، تشمل التحقق من السيرة المهنية والذمة المالية وتعارض المصالح، وإتاحة المجال للجهات الرقابية والبرلمان لمناقشة المرشحين. وايضاً الخطة الحكومية وليس فقط تصويت بالثقة نعم ولا في مجلس النواب .
وبعد التعيين، يُحاسب رئيس الوزراء والوزير على النتائج، وتُنشر تقارير دورية توضح ما أُنجز وما تعثر وأسباب ذلك. فالمنصب ليس مكافأة سياسية، بل تكليف ومسؤولية. لا يكفي دخول وخروج رئيس وزراء بكتاب تكليف دون محاسبة .
ومن الاهمية القصوى بداية اختيار رئيس الوزراء، فيجب أن يستند إلى معايير معلنة، لا إلى الانطباعات أو التوازنات وحدها.
من أهمها: النزاهة والاستقلال، والخبرة في الإدارة العامة، وفهم الدستور ومؤسسات الدولة، والقدرة على وضع برنامج حكومي واقعي، واختيار فريق كفؤ، والاستماع إلى الخبراء والمواطنين، وان تكون شخصيته قياديه ليست تابعة لاحد و غير مسيطر عليها من اي جهة ويتحمل قرارته ويدافع عنها وقادر على قول كلمة “لا” حين تكون في موقعها الصحيح لا ان يكون ضعيفا مترددا دون كاريزما ودون وعي بأهمية كل قرار يصدر عن الحكومة. رئيس الوزراء الذي يحمل مصباح ” yes man” النعم الدائمة هو من اسباب الفشل السياسي والاقتصادي فمنصب رئيس الحكومة هو لمساعدة الملك في ادارة شؤون البلاد وتقديم المشورة اللازمة والصحيحة وان اختلفت الرؤى . وعليها ان يتسلح بكل المباديء و الأفكار و المستندات و الوقائع التى تدعم قراره سواء بالموافقه او الاختلاف ولهذا يتم اختياره رئيسا و إلا ما الحاجة اليه ؟ ولماذا يدفع له رواتب و يمنح الامتيازات ؟
كما ينبغي أن يمتلك المرشح لمنصب رئيس الوزراء رؤية واضحة لأولويات الوطن، وأن يشرح كيف سيحققها، وما المؤشرات التي سيُقاس بها أداؤه. وتُعرض هذه الرؤية اولا على الملك عبد الله الثاني حفظه الله و مستشاريه المؤتمنين الاكفاء وليس اي مستشار للنقاش العام وبعدها البرلماني ، وتُراجع النتائج دوريًا.
فالمطلوب رئيس حكومة ذو خبرات محلية و دولية وفكر متطور وذكاء سياسي قوي وعليم بتاريخ الأردن وجغرافيته وقادر على تحمّل المسؤولية وقبول المساءلة، لا الاكتفاء بإطلاق الوعود وحمل دفتر ملاحظات تدوين دون انجاز.
ولا ضرر في الاعتراف بأن اختيار رئيس وزراء أو وزير لم يكن موفقًا؛ بل إن الاعتراف بالخطأ خطوة ضرورية لتصحيحه. فإذا كانت التعديلات الوزارية تُجرى، ويُخرج وزراء من الحكومة أو تُدوّر مناصبهم، فمن حق المواطنين أن يعرفوا بوضوح: هل كان ذلك بسبب ضعف الأداء، أم عدم الكفاءة، أم تغير الأولويات؟ لا يكفي تغيير الأسماء من دون تفسير يوضح ما الذي أخفق وما الذي سيتغير.
لن نتقدم ما دمنا نخشى القول إن اختيار رئيس الوزراء لم يكن موفقًا، أو إن اختيار بعض الوزراء لم يستند إلى الكفاءة والخبرة.
فالمصارحة ليست إساءة إلى الدولة أو إلى المسؤول، او الي سيد البلاد ، بل احترام للوطن والمواطن، وشرط لبناء الثقة.
أما التستر على الأخطاء أو تدوير المسؤولين من دون تقييم ومحاسبة، فيجعل الخطأ يتكرر ويضعف المؤسسات.
نحتاج إلى نهج جديد قوامه الشفافية والشجاعة والمكاشفة، وإلى كلمة حق تُقال باحترام ووضوح.
فالوطن ومنصب رئاسة الحكومة ليسا حقل







