مقالات وآراء

كنانة خلف الكردي تكتب: هل تنجح السلطة أم تنجح الدولة هل سورية بخير

هل نحن بخير أم أننا نعتاد الخلل في سورية

نكون بخير عندما تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص والقوانين أعلى من المصالح والمصلحة الوطنية مقدمة على الحسابات الفئوية والشخصية

لكن هل يمكننا القول إننا بخير لمجرد أن الاجتماعات تتواصل والقرارات تصدر والخطابات تتوالى أم أن الحقيقة تقاس بمعايير أكثر عمقا من ذلك بكثير إن نجاح الدولة لا يقاس بحجم حضورها السياسي والإعلامي فحسب بل بقدرتها على تحويل القرارات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين وبما يشعر به الناس من أمن وعدالة وفرص عمل وخدمات وكرامة وبما يلمسونه من تغير حقيقي في علاقتهم بالمؤسسات التي يفترض أن وجدت لخدمتهم وحماية حقوقهم

وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليات في إدارة المراحل الانتقالية وهي الخلط بين النجاح في إدارة الصورة والنجاح في إدارة الدولة فقد تحقق الحكومة حضورا سياسيا وإعلاميا واسعا لكنها تظل مطالبة بإثبات قدرتها على بناء مؤسسات فاعلة وإدارة الموارد بكفاءة وتكريس سيادة القانون وضمان تكافؤ الفرص

فالنجاح السياسي لا يعفي من المساءلة والقبول الشعبي لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح والقرارات مهما كانت أهميتها لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تنعكس إيجابا على حياة المواطن

إن الدولة القوية لا تقوم على قوة الأشخاص بل على قوة المؤسسات ولا تستمد استقرارها من الولاء للأفراد بل من الثقة بالقانون وعدالة تطبيقه واستقلال العمل المؤسسي عن المصالح الضيقة ومن هنا فإن نقد الأداء الحكومي لا يعني بالضرورة معاداة الدولة كما أن المطالبة بالإصلاح لا تعني إضعاف السلطة بل قد تكون الطريق الأكثر جدية لحماية الدولة من الأخطاء المتراكمة فالمؤسسات التي تقبل المراجعة قادرة على التطور أما التي تتعامل مع النقد باعتباره تهديدا فإنها تخاطر بتحويل الأخطاء إلى أزمات يصعب احتواؤها

لكن صلاح الدولة لا يكتمل من دون مجتمع يمتلك الوعي والمسؤولية والأخلاق وروح المبادرة فالمؤسسات مهما بلغت قوتها لا تستطيع وحدها بناء وطن متماسك إذا ظل المجتمع أسير الانقسامات والحساسيات الفئوية والحسابات الشخصية

قوة المجتمع لا تقوم على التشابه الكامل بين أفراده بل على قدرتهم على الاختلاف ضمن إطار جامع من الحقوق والواجبات والمصالح المشتركة فليس مطلوبا من السوريين أن يتفقوا على كل شيء بل أن يتفقوا على أن الوطن أكبر من خلافاتهم وأن القانون يجب أن يحمي الجميع وأن كرامة الإنسان لا تتحدد بانتمائه العائلي أو المناطقي أو المذهبي أو السياسي

لا تجعلوا الاختلاف السياسي سببا للعداوة الاجتماعية ولا تجعلوا الانتماء معيارا لتحديد قيمة الإنسان ولا تسمحوا للخلافات بأن تهدم الثقة بين أبناء المجتمع فحين تتحول السياسة إلى خصومة اجتماعية يخسر الوطن مساحات التفاهم وتتراجع فرص الشراكة ويصبح بناء الدولة أكثر صعوبة

إن سورية لا تحتاج إلى مجتمع متطابق في آرائه بل إلى مجتمع متماسك في حقوقه وواجباته ولا تحتاج إلى مواطنين يصفقون لكل قرار بل إلى مواطنين يراقبون الأداء ويطالبون بحقوقهم ويحترمون القانون ويميزون بين الاختلاف المشروع ومحاولات الإقصاء والتحريض وفي هذه المرحلة تحديدا لا يكفي أن نسأل ماذا أنجزنا اليوم بل ينبغي أن نسأل أي دولة نؤسس للغد وهل نبني مؤسسات تستمر بعد تغير الأشخاص أم نعيد إنتاج الاعتماد على الأفراد وهل نؤسس لمواطنة متساوية أم نسمح للمصالح الضيقة بإعادة رسم العلاقات داخل المجتمع السوري

إن مستقبل الدولة السورية سيتحدد بقدرتها على الجمع بين فاعلية المؤسسات وعدالة القانون وثقة المجتمع فالأمن وحده لا يكفي إذا غابت العدالة والاستقرار لا يكتمل إذا غابت فرص العمل والشرعية لا تترسخ بالشعارات إذا لم يشعر المواطن بأن الدولة تنصفه وتحمي حقوقه

ولهذا فإن الإجابة عن سؤال هل نحن بخير لا ينبغي أن تكون انفعالية ولا متسرعة بل يجب أن تستند إلى ما يتحقق على الأرض من إصلاح مؤسساتي ومحاسبة عادلة وتحسن في الخدمات وفرص متكافئة وتراجع في الانقسامات الاجتماعية

نكون بخير عندما يصبح المواطن معيار النجاح لا حجم التصفيق وعندما تكون الكفاءة أساس المسؤولية لا المصالح الشخصية وعندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص والقوانين أعلى من الاستثناءات والمواطنة أقوى من العصبيات

فالدولة التي نريدها ليست دولة يخشى فيها المواطن من السلطة ولا سلطة تخشى من مواطنيها بل دولة تقوم علاقتها بهم على الثقة والمسؤولية والمحاسبة

وعندها فقط لن يكون سؤال هل نحن بخير مجرد عنوان نطرحه في لحظة قلق بل نتيجة نستطيع إثباتها في واقعنا اليومي حين يشعر السوري أن وطنه يتسع له وأن حقوقه مصونة وأن مستقبله لا تحدده هويته أو علاقاته بل كفاءته ومواطنته وقدرته على المشاركة في بناء بلاده

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى