الدكتورة وفاء صبري تسأل بعد تصريحات عدم المساس بالدستور: هل تتغير طريقة إدارة الحياة السياسية في مصر؟

في رسالة سياسية شديدة اللهجة وضعت النقط على الحروف، فجّرت وفاء صبري، رئيس حزب الدستور، قنبلة سياسية بوجه المشهد العام، مؤكدة أن الرهان ليس على “جدران النصوص” بل على “روح التطبيق”.
وفي تعقيب زلزل التكهنات التي سادت الشارع المصري عقب تصريحات رئيس الجمهورية عدم المساس بالدستور، قطعت صبري الشك باليقين مبينة أن العبرة ليست بعدم تعديل القواعد الدستورية للاستمرار في السلطة حتى عام 2030، بل بالمعركة الحقيقية التي تبدأ من الآن: هل تتغير فلسفة إدارة الحياة السياسية في مصر أم يظل حبر النصوص حبيس الأوراق؟
وأكدت وفاء صبري أن ترحيب الأحزاب والقوى السياسية والشخصيات العامة بهذه التصريحات يعد خطوة إيجابية، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن السؤال الأهم لا يتوقف فقط عند حدود “عدم تعديل الدستور”، بل يمتد إلى مدى التطبيق الفعلي لمواده وتفعيل الحقوق والحريات التي يكفلها للمواطنين.
فتح المجال العام: المحك الحقيقي لتطبيق الدستور
وأوضحت رئيس حزب الدستور أنه إذا كان تصريح عدم تعديل القواعد الدستورية يعني الالتزام بانتهاء المدة الرئاسية الحالية في عام 2030 ودون الاستمرار في السلطة بعدها، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحياة السياسية المصرية اليوم هو: ماذا سيحدث قبل أن نصل إلى عام 2030؟ وكيف نضمن أن يكون تداول السلطة استحقاقًا ديمقراطيًا حقيقيًا، تتوافر له البدائل السياسية والتنافسية الجادة، وليس مجرد إجراء انتخابي؟
وأضافت صبري: “نحن اليوم على بُعد نحو ثلاث سنوات من الاستحقاق الرئاسي المقبل. وهذه مدة ينبغي أن تكون كافية لبدء حوار سياسي ومجتمعي جاد حول مستقبل البلاد، ولعمل الأحزاب والتحالفات السياسية على بلورة برامجها، وااختيار مرشحيها المحتملين، وبناء قواعدها الجماهيرية، والتواصل مع المواطنين، وطرح البدائل السياسية والاقتصادية التي تستجيب لتطلعاتهم.”
وأشارت إلى أن التجربة السياسية في الديمقراطيات الراسخة تؤكد أن التنافس على رئاسة الدولة لا يبدأ بمجرد فتح باب الترشح، بل تسبقه سنوات من العمل السياسي المنظم، وإعداد البرامج، وبناء التحالفات، وخوض النقاشات العامة، والتواصل المباشر مع المواطنين. وشككت في إمكانية وجود انتخابات تنافسية حقيقية دون إتاحة المجال العام الذي يسمح للمرشحين المحتملين والأحزاب بعرض أفكارهم وبرامجهم بحرية، ويمنح المواطنين الوقت الكافي للتعرف عليهم والمفاضلة بين البدائل المطروحة.
جوهر المعضلة: السؤال الأبرز في الشارع المصري
وشددت وفاء صبري على أن احترام الدستور لا يكتمل بمجرد عدم تعديله، وإنما بتطبيقه كاملًا، نصًا وروحًا، وضمان الحقوق والحريات التي ينص عليها. واعتبرت أن هذا التطبيق يمثل جوهر المعضلة التي تطفو على السطح مع كل استحقاق انتخابي لرئاسة الجمهورية، والمتمثلة في السؤال التلقائي الذي يطرحه المصريون فيما بينهما: «مفيش بديل! من البديل؟»
وفي هذا الصدد، طرحت رئيس حزب الدستور حزمة من التساؤلات الجوهرية والسياسية التي تبحث عن إجابات عملية، متسائلة: كيف يمكن الحديث عن تداول السلطة بينما لا تتوافر الشروط السياسية والمجتمعية اللازمة لممارستها؟ وكيف يمكن مطالبة المواطنين بالاختيار بين بدائل متعددة، إذا لم تتح لهم فرصة التعرف على هذه البدائل؟ وكيف نضمن انتخابات ومنافسة حقيقية إذا لم تتح للأحزاب والقوى السياسية مساحة كافية للعمل الجماهيري والتواصل مع المواطنين؟ أليس غياب البدائل المطروحة على نطاق جماهيري واسع نتيجة طبيعية لتضييق المجال العام، وتقييد حرية العمل السياسي، وعدم إتاحة المنابر الإعلامية بالقدر الكافي لعرض البرامج والرؤى المختلفة؟ وكيف يمكن أن يظهر بديل سياسي حقيقي إذا كان من يطرح نفسه للمنافسة يتعرض للتضييق أو الملاحقة، بدلًا من أن تكون ساحة المنافسة هي البرامج والأفكار والقدرة على إقناع المواطنين؟
الضمانات الدستورية بين النص والتطبيق
ولفتت صبري إلى أن مواد الدستور المصري تتضمن إجابات واضحة ومباشرة عن كافة هذه التساؤلات، مستشهدة بالترتيب والتفصيل بالمواد التالية؛ حيث تنص المادة (65) على تكفّل حرية الفكر والرأي، وتقر المادة (68) الحق في المعرفة، بينما تكفل المادتان (70 و71) حرية الصحافة والإعلام وتحظران الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها إلا في الحالات الاستثنائية التي يحددها الدستور، وتنظم المادة (73) حق المواطنين في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، وتكفل المادة (74) حرية تكوين الأحزاب السياسية بالإخطار، وتقرر المادة (87) أن مشاركة المواطنين في الحياة العامة واجب وطني وتكفل لكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي في الاستفتاء، فيما تؤكد المادتان (92 و94) أن الحقوق والحريات لا تقبل التعطيل أو الانتقاص وأن سيادة القانون هي أساس الحكم في الدولة.
وتساءلت وفاء صبري بمرارة: “أين نحن من التطبيق الفعلي لهذه الضمانات الدستورية؟ وما قيمة النصوص التي تكفل حرية الرأي والتعبير والعمل السياسي إذا لم يتمكن المواطنون والأحزاب من ممارستها بحرية وأمان؟ وكيف يمكن بناء حياة سياسية تعددية في ظل استمرار حبس مواطنين على خلفية ممارستهم السلمية لحقوقهم السياسية أو تعبيرهم عن آرائهم، وما يترتب على ذلك من آثار إنسانية واجتماعية جسيمة؟”
مؤكدة أن الحاجة اليوم ليست إلى تعديل الدستور بقدر ما هي حاجة ماسة إلى احترامه وتطبيقه، وفتح المجال العام، وإطلاق الحريات العامة، وضمان حرية العمل الحزبي والإعلامي، وإتاحة المجال أمام المعارضة لعرض برامجها والتواصل مع المواطنين، بما يضمن منافسة سياسية حقيقية، وتداولًا سلميًا للسلطة، واختيارًا حرًا بين بدائل متعددة.
الاختبار الحقيقي: اختبار عام 2030
وطرحت وفاء صبري ما وصفته بـ “السؤال الأكثر إلحاحًا” في المشهد الحالي:
“إذا قرر أي مواطن مصري مستوفٍ لشروط الترشح لرئاسة الجمهورية، أن يخوض التجربة في عام 2030، وبدأ من الآن في إعداد برنامجه السياسي، والتواصل مع المواطنين، وطرح رؤيته لمستقبل مصر، وبناء تحالف سياسي حولها، وإعلان استعداده لخوض الانتخابات المقبلة، فما الذي سيحدث له؟”
“هل سيجد المجال العام مفتوحًا أمامه، وسيتمكن من ممارسة حقوقه الدستورية، وعرض أفكاره على المواطنين عبر وسائل الإعلام، وتنظيم لقاءات جماهيرية بحرية؟ أم سيواجه التضييق والمنع والملاحقة، قبل أن تبدأ المنافسة الانتخابية أصلًا؟”
وأكدت صبري أن الإجابة عن هذا السؤال المباشر تفصيلياً هي المعيار والمقياس الحقيقي لمدى جدية الالتزام بالدستور.
ضرورة ملحة فرضتها الأزمات
واختتمت رئيس حزب الدستور، وفاء صبري، تصريحها بالقول “إذا كنا نريد ألا نصل إلى عام 2030 ونحن نكرر السؤال ذاته: «مفيش بديل! من البديل؟»، فالمطلوب عملياً هو عدم المساس بالمرشحين المحتملين إلى جانب عدم المساس بالدستور الذي يحميهم.
علينا أن نبدأ من الآن في بناء حياة سياسية حقيقية، تتيح ظهور البدائل وتنافسها بحرية، وتمنح الشعب حقه الأصيل في الاختيار. فالدستور ليس مجرد نصوص لا نعدلها، بل هو حقوق نمارسها، وحريات نحميها، ومؤسسات تحترمها، وسلطة تخضع لأحكامها.
إن فتح المجال العام ليس مجرد مطلب حزبي أو امتياز تمنحه السلطة، بل هو ضرورة دستورية وسياسية لبناء دولة ديمقراطية تحترم مواطنيها وتضمن مستقبلها، وهو ما بات الآن — بالنظر إلى أزمتنا الاقتصادية والتحديات الجيوسياسية المحيطة بالبلاد — ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل أكثر من أي وقت مضى.”







