
يبدو أن حلم الانتقال السلمي للسلطة بات يلمع بريقه مجددًا في أعين البعض ممن عوّلوا على خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، فالرجل خرج للعلن مؤكدًا أن فترته الرئاسية ستنتهي في 2030، ما جعل البعض ينظر إلى هذا العام باعتباره اختبارًا سياسيًا مهمًا للدولة المصرية.
ولأن هناك تخوفًا من إعادة إفراز شخصيات من داخل المؤسسة العسكرية، أشار الرئيس، في معرض حديثه، إلى أن المترشحين سيكونون من حملة الماجستير والدكتوراه، من خلال تجهيز آلية متكاملة يتولى البرلمان صياغة قانون ينظمها، لاختيار من تتوافر فيهم شروط معينة وتأهيلهم لفهم معنى الدولة وكيفية الحفاظ على مقدراتها.
لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن في فتح باب الانتخاب أو عقد تدريبات للمتنافسين، بقدر ما تكمن في تهيئة المناخ العام في مصر، طوال ما يقرب من اثني عشر عامًا، لإعداد قيادات سياسية قادرة على شغل المنصب، أو متمرسة بالقدر الكافي في ممارسة العمل السياسي.
ففترة حكم الرئيس لم تكن محفزة بالقدر الكافي لممارسة العمل السياسي أو تعزيز التعددية الحزبية، وأصبحت أحزاب عدة تتحرك بشكل أساسي داخل حدود النظام السياسي القائم، دون أن تنجح في تسليط الضوء، بالشكل المطلوب، حتى على المشكلات التي تواجه المواطنين.
أما المناخ السياسي في مصر فحدّث ولا حرج. يمكن وصفه بأنه شديد المركزية حول مؤسسة الرئاسة، بينما ظل وجود الأحزاب والمعارضة الرسمية محكومًا بهامش سياسي محدود، يكاد تأثيره في بعض الأحيان يكون منعدمًا.
وعلى الرغم من تأكيد المصادر الحكومية وجود تعددية حزبية وتمثيل للمعارضة، فإن منظمات حقوقية ودولية تقدم قراءة مختلفة، وتصف المجالين السياسي والمدني في مصر بأنهما مقيدان.
ووفق بيانات هيئة الاستعلامات بشأن برلمان 2025، حصلت ثمانية أحزاب معارضة على 53 مقعدًا، أي نحو 10% من الأعضاء المنتخبين، بينما حصل المستقلون على 105 مقاعد. وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية أن البيئة الانتخابية نفسها لا توفر منافسة سياسية متكافئة.
وهنا تظهر الإشكالية: كيف يمكن لمناخ سياسي كهذا أن ينتج شخصيات منخرطة بالفعل في العمل السياسي، تمتلك خبرة المنافسة وقادرة لاحقًا على التقدم لشغل أعلى منصب في الدولة؟
الرئيس السيسي يقول إن الأكاديمية العسكرية ستتولى عملية إعداد وتأهيل تمتد لنحو 30 شهرًا، وهي فترة يرى أنها كافية لتأهيل المترشحين وتدريبهم على فهم الدولة والحفاظ عليها.
لكن ألم تكن دولة بحجم مصر تستحق أن يكون المؤهلون للترشح لرئاستها منخرطين ومنغمسين في العمل السياسي لسنوات؟ أن يخرجوا من أحزاب سياسية حقيقية، وأن يخوضوا من خلالها تجارب المنافسة والاختلاف والاحتكاك بالمواطنين، وأن يقدموا برامج انتخابية قادرة على إقناع الناخب المصري؟
صحيح أن مصر اهتمت خلال السنوات الماضية بإعداد كوادر إدارية وتنفيذية وشبابية، لكن السؤال: هل أعدّت بالقدر نفسه كوادر سياسية قادرة على ممارسة السياسة التنافسية، وبناء أحزاب ذات قواعد شعبية، وإدارة الاختلاف، وتقديم البدائل والاستعداد لتداول السلطة؟
ثم هل تستطيع الأكاديمية العسكرية خلق نخب حزبية مستقلة تتنافس سياسيًا، في ظل ضعف الأحزاب نفسها كقنوات لإنتاج قيادات سياسية مستقلة؟
فالمسألة لا تتعلق فقط بتأهيل شخص للترشح إلى الرئاسة، وإنما بوجود حياة سياسية قادرة بصورة طبيعية على إنتاج أكثر من شخصية مؤهلة لخوض المنافسة.
وهنا يبقى السؤال الأهم: هل نجحت الدولة طوال السنوات الماضية في بناء مؤسسات سياسية قادرة على إنتاج قيادات وبدائل للرئاسة، أم أن التركيز انصب بصورة أكبر على إعداد كوادر تنفيذية وإدارية أكثر من إعداد سياسيين؟
وإذا كانت 2030 هي بالفعل نهاية ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، فمن أين سيخرج الجيل السياسي القادر على إدارة مرحلة ما بعد السيسي؟






