ملفات وتقارير

د. أيمن نور يكتب: حين يتقدم الأزهر… لتتراجع البنادق

قرأت باهتمام وتقدير بالغين نداء فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد_الطيب، شيخ_الأزهر، الداعي إلى تشكيل لجنة عاجلة من حكماء الأمة لإطفاء نيران الحروب والصراعات في منطقتنا. ولم أتوقف فقط عند نبل المقصد، بل عند شجاعة الانتقال من الدعاء بالسلام إلى اقتراح طريق عملي لصناعته.

فالمنطقة التي أتعبتها الحروب، وأرهقتها الخصومات، واستنزفت حاضرها صراعات الماضي، تحتاج إلى من يذكّرها بأن القوة ليست دائمًا في القدرة على إشعال الحروب، بل قد تكون في الشجاعة على إيقافها. وأن الحكمة ليست ضعفًا أمام السلاح، بل قوة أخلاقية قد تعجز عن امتلاكها ترسانات بأكملها.

أقدّر في هذا البيان أن الأزهر_الشريف لم يكتفِ برفع الصوت دفاعًا عن الدماء، وإنما مدّ اليد بحثًا عمن يوقف نزيفها. وهذا تطور مهم من خطاب الوعظ إلى مسؤولية المبادرة، ومن استدعاء الضمير إلى محاولة استعادة دوره في صناعة القرار.

وما أحوجنا إلى أن تتسع هذه الدعوة لتصبح مشروعًا عربيًا وإسلاميًا حقيقيًا، تشارك فيه شخصيات مستقلة، ذات مصداقية وخبرة وحكمة، بالتعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية، بعيدًا عن حسابات الاستقطاب، ودون خلط بين الحياد في الوساطة والحياد بين الظلم والعدل.

إن المصالحة التي ننشدها لا تعني أن نطلب من الضحية نسيان جراحها، ولا من الشعوب التنازل عن حقوقها، ولا أن نساوي بين المعتدي والمعتدى عليه. فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، بل حضور للعدل. وليس طيًّا لصفحات التاريخ قبل قراءتها، بل كتابة صفحات جديدة تمنع تكرار مآسيه.

ولعل من أهم ما أتطلع إليه أن تتحول دعوة الإمام الأكبر إلى لقاء تأسيسي قريب، يضع أمام الحكماء ملفات الصراعات، ويحدد أولويات التحرك، ويفتح أبوابًا للحوار كانت قد أُغلقت، ويمنح الإنسان العربي، الذي دفع أثمان هذه الحروب من دمه وبيته ومستقبله، مكانه المستحق في قلب كل تسوية.

إنني أرى في هذه الدعوة فرصة لتأكيد دور مصر الحضاري والإنساني، واستعادة معنى من معاني رسالتها التاريخية. فالأزهر ليس مجرد مؤسسة تعليمية أو دينية، بل ضمير ممتد في وجدان شعوب كثيرة، وقيمته الكبرى أن تبقى كلمته أوسع من حدود السياسة، وأبقى من خلافات السياسيين.

كل التحية والتقدير للإمام الأكبر على هذا النداء. وأتمنى ألا يبقى مجرد بيان نُحييه اليوم وننساه غدًا، بل أن يصبح بداية طريق، مهما طال، ينتهي بحقن دم، أو إعادة غائب، أو إنقاذ طفل، أو فتح نافذة أمل في جدار حرب.

فالسياسة التي لا تستطيع إيقاف الموت، تحتاج أحيانًا إلى حكمة تذكّرها بقيمة الحياة.

وإذا كان صوت المدافع قد طال أكثر مما ينبغي، فقد آن الأوان أن يُسمع صوت الحكماء.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى