شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: عثرت على خط يده،فهل نعثر على قبره(١٩) رسالة النديم لليثي..وتفسير علاقتي بحمدين وبدراوي وعيسى وموسى

ربما يبدأ العثور على الرجل من العثور على خط يده. وربما تقودنا ورقة نجت من الضياع إلى قبر اختفى عنوانه منذ مئة وثلاثين عامًا.

منذ بدأت رحلتي بحثًا عن قبر عبد الله النديم في إسطنبول، وأنا أتنقل بين شواهد المقابر وصفحات الكتب، وبين حكايات المنفى وأوراق الذين عرفوه.
وكلما ظننت أن الطريق أوشك أن ينتهي، اكتشفت أن وراء كل باب مغلق نافذة أخرى تطل على أثر جديد.

اليوم، أظنني عثرت على شيء مختلف. ليس قبر النديم، ولا إحدى مخطوطاته الكاملة، بل رسالتين بخط يده، بعث بهما إلى الشيخ علي الليثي.

وجدت في الجزء الرابع من كتاب قديم جدًا، عثرت عليه في إحدى مكتبات الفاتح العتيقة، اسمه «الأعلام» لصاحبه خير_الدين_الزركلي، وفي الصفحة ١٣٨ منه. وتحت عنوان يتصل بخط عبد الله النديم، نشر الزركلي رسالتين موجهتين إلى الشيخ علي_الليثي، مشيرًا إلى عثوره عليهما بين أوراقه.
توقفت طويلًا أمام الصورتين. حاولت قراءة الكلمات، والتعرف على ملامح ذلك الخط الذي تحركت به يد الراسل، قبل أكثر من قرن.
في إحدى الصورتين أمكنني تمييز عبارة «والشوق والاشتياق»، وفي نهايتها توقيع «ولدكم عبد الله نديم».
أما الصورة الثانية فلم أستطع الجزم بقراءة كلماتها بوضوح.
الرسالتين، لا أعرف حتى الآن أين استقرت أصولهما، أو ما إذا كانت لا تزال موجودة.ام اختفت كغيرها .
لكن صورة الخط تظل أثرًا يستحق أن نتبعه.

هنا يبرز اسم الشيخ علي الليثي، الشاعر الأزهري الذي عرف بلاط الخديوي وقصور الحكم،ثم انضم للثورة العرابيه، ثم تراجع فور هزيمتها، في مقابل عبد الله النديم، خطيب الثورة العرابية ولسانها المتمرد حتي آخر لحظة في حياته .

رجل اقترب اكثر من القصر، وآخر اقترب فقط من الثورة.
وبين الرجلين كانت هناك مراسلات تكشف عن صلة إنسانية وأدبية تستحق التأمل.
ما الذي جمع بينهما؟ وكيف اتسعت المسافة بين موقعيهما السياسيين دون أن تمنع تبادل الرسائل؟
ولم تمنع الديم ان يكتب له بمحبه وتقدير ويوقع رسائله للشيخ علي الليثي ( بابنكم عبد الله نديم)
فليس من الإنصاف أن نفترض أن اختلاف الموقع السياسي يعني بالضرورة انقطاع الود.

لقد كان الرجلان ابنين لعصر واحد،رغم وجود 24 عاما فارق في عمر الشيخ علي الليثي وعبد الله النديم لكنهما اجتمعا سويا في عام الوفاه
وجمعت بينهما ايضا بيئة ثقافية متقاربة، وإن اختلفت أدوارهما ومواقعهما في المشهد العام.

وربما كانت تلك واحدة من المفارقات التي تستحق أن نتعلم منها، ونحن نقرأ تاريخنا السياسي بعين لا تختزل البشر في مواقفهم وحدها.

وأتوقف هنا عند معنى يتجاوز حكاية النديم والليثي، ويصل إلى شيء من حكايتي أنا.

فما أبعد المسافة بين أن نفهم دوافع إنسان، وأن نوافق على كل شيء في أقواله أو أفعاله!

فما أضيق السياسة إذا ضاقت فيها مساحة الإنصاف، حتى يصبح الخلاف في الموقف حكمًا على صاحبه، وتصبح لحظة الافتراق قادرة على محو سنوات من المعرفة والمودة.

هذا المعنى رافقني طويلًا في علاقتي بأناس فرقت بيننا السياسة، وخاصة بعد عام ٢٠١٣. من بينهم زملاء وأصدقاء وأساتذة، جمعتني بهم سنوات من المعرفة والوفد، ثم اختلفت بنا السبل والمواقف.

ولطالما سُئلت باستغراب أو عتاب، وأحيانًا باتهام مبطن: لماذا لا تزال تحتفظ بكل هذا القدر من حسن الظن بمن اختلفت معهم، وربما قاطعوك في أشد اللحظات حساسية؟

وأذكر هنا أربعة أسماء، لا يجمع بينها تطابق المواقف أو وحدة المسارات، وإنما تجمعها في تجربتي الشخصية سنوات من المعرفة، ولكل صاحب اسم منها مكانه المختلف في قلبي وذاكرتي:
الكاتب الصحفي والصديق القديم إبراهيم_عيسى، والوزير السيد عمرو_موسى، والصديق والزميل الدكتور حسام_بدراوي، والمناضل حمدين_صباحي، وآخرين.
ولا أضع هذه الأسماء في موضع واحد من الاتفاق أو الاختلاف، ولا أساوي بين مواقف أصحابها، وإنما أستدعيها لأوضح معنى ظل يشغلني طويلًا.
فالمعرفة الشخصية لا تفرض اتفاقًا سياسيًا، والخلاف السياسي لا يمنحنا حق إنكار ما عرفناه من صفات أو مواقف إنسانية.
وما زلت أرى أن من الممكن أن نختلف بشدة مع بعض أقوال إنسان أو أفعاله، دون أن نمحو من ذاكرتنا كل ما سبقها من معرفة أو مودة أو تقدير.
لقد تعلمت أن أختلف مع مواقف بعض من أحببت، دون أن أستعير من خصومهم حق الحكم على قلوبهم.
وليس حسن الظن تبرئة مجانية من الخطأ، أو إعفاء صاحبه من مسؤوليته، وإنما هو رفض لأن تتحول الخصومة السياسية إلى حكم نهائي على الإنسان كله.
فالإنصاف ليس تنازلًا عن الموقف، كما أن الوفاء للمعرفة القديمة ليس صكًا بالموافقة على ما جاء بعدها.

ولعل هذا ما أعادني إلى رسائل عبد الله النديم والشيخ علي الليثي.
نحن لا نعرف على وجه اليقين كل ما قاله الرجلان لبعضهما، ولا جميع ما جمعهما أو فرقهما. لكننا نعرف أن رسائل النديم وجدت طريقها إلى الليثي، وأن صورتين منها وصلتا إلينا بعد كل هذه السنوات.
وفي رحلة حفظ التراث، تستحق أسماء من جمعوا الأوراق وصانوا آثار أصحابها، ومنهم أحمد تيمور وخير الدين الزركلي، أن تُذكر بالتقدير.
فلولا ما بقي في الكتب من صور الرسائل وإشارات أصحابها، لما استطعت اليوم أن أتوقف أمام أثر من خط الرجل الذي أبحث عن قبره.

قبل أيام كنت أفتش عن عبد الله النديم بين قبور مقبرة يحيى أفندي في بشكتاش. واليوم أفتش عنه في حروف كتبها بيده قبل رحيله.
وبين القبر والرسالة مسافة تبدو كبيرة، لكنها في رحلة البحث ليست كذلك.
فكل ورقة يمكن أن تقود إلى صاحبها، وكل اسم في هامش كتاب قد يفتح طريقًا إلى وثيقة أخرى، وربما تقودنا الوثائق ذات يوم إلى ما ضاع من عنوان القبر.
لا أدعي أنني وصلت إلى نهاية الرحلة. فما زلنا نفتش عن أصول الرسائل، كما نفتش عن شاهد القبر وموضعه.
لكنني أشعر أن البحث تقدم خطوة جديدة. وأن الرجل الذي غاب جسده عن أعيننا لا يزال يترك لنا إشارات صغيرة، بعضها في الصحف القديمة، وبعضها في بطون الكتب، وبعضها في رسائل وصلت إلى أصدقاء ومعارف، ونجت صورها من غبار السنين.
اليوم وجدنا أثر يده. وما زلنا نبحث عن أثر خطاه.

. مرسل لك مجموعة من الصور، المطلوب تنفيذ ألبوم صور على مقاس يوتيوب. حط الصور مع بعض بشكل انسيابي وشكل مدموج بحيث يطلعوا شكل واحد وصورة واحدة على مقاس يوتيوب. تعليمات صارمه لا تعديل فى الملامح انقل الصوره لا تدخل للذكاء الصناعى فى الوجوه.
المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى