
مرة أخرى، يقف عبد الفتاح السيسي ليعلن أن الدستور “لن يُمس”، وأن 2030 ستكون نهاية ولايته، وأن الأمر “محسوم”.
لكن هذه المرة، حتى أولئك الذين يريدون تصديقه، لم يجدوا في كلامه ما يطمئنهم لأنهم سمعوا هذه الجملة من قبل بالحرف نفسه تقريباً.
في 2017، قالها وبعد عامين، كان الدستور قد مُسّ، ومُدّدت ولايته إلى 2030 فماذا يعني أن يُقسم السيسي على احترام دستور عدّله بنفسه؟
ماذا يعني أن يعد المصريين بعدم المساس بوثيقة سبق أن مسّها؟
الأمانة لا تُستعاد بتصريح، ولا الثقة تُبنى ببيان.
المشهد هذه المرة لم يكن مفاجئاً كان متوقعاً إلى حد الملل عبدالفتاح يعلم أن ملف التعديل الدستوري أصبح عبئاً ثقيلاً، في ظل اقتصاد يتهاوى، وتضخم يلتهم الأجور، وسخط شعبي لم يعد يختبئ.
فجاء التصريح لا ليطمئن، بل ليشتري الوقت هذا ليس وعداً، هذا تأجيل.
المؤيدون يحاولون التخفيف يقولون إن هناك برنامجاً تدريبياً للقيادات، وإن هناك حديثاً عن “ما بعد 2030″، وإن الرئيس رفض صراحة التمديد إلى 2050.
لكن هذا كله لا يغيّر شيئاً برنامج تدريبي لا يعني تسليم سلطة وحديث عن المستقبل لا يعني التخلي عن الحاضر ورفض التمديد إلى 2050 لا يعني الوفاء ب2030.
المعارضة لم تصدّق الحركة المدنية الديمقراطية رحبت بكلام السيسي ، لكنها طالبت فوراً بإجراءات ملموسة إطلاق سراح المعتقلين، رفع القيود عن الأحزاب، فتح الإعلام أي أنها قالت، بلغة دبلوماسية كلام السيسي لا يكفي.
والتحالف الشعبي اليساري كان أكثر صراحة ذكّر بـ2019، وقال إن الوعود لا تُقاس بالنوايا، بل بالأفعال .
أما د. أيمن نور، المرشح الرئاسي السابق، فرحب بعدم تعديل الدستور، لكنه رفض دعوات الانتخابات المبكرة، وكأنه يقول لننتظر 2030 ونرى.
وهنا المفارقة حتى من يريد تصديق الرئيس، يجد نفسه مضطراً إلى وضع “خطة بديلة” لما بعد التصديق هذا ليس تشاؤماً مصرياً فطرياً إنه نتيجة مباشرة لتجربة 2019، التي علّمت الناس أن الوعد الدستوري في مصر يمكن أن يُلغى بوثيقة دستورية أخرى.
السيسي قال إن الأمر “محسوم” لكن “محسوم” في القاهرة لا تعني ما تعنيه في العواصم التي تحترم فيها الكلمة سلطة القانون، لا قانون السلطة في القاهرة، “محسوم” تعني حتى إشعار آخر.
وبين “محسوم” و”إشعار آخر”، تقف مصر كلها تنتظر ليس على المنصة، بل في طوابير الخبز، وفي مكاتب الضرائب، وفي بيوت الشباب الذي لم يعد يسمع الوعود.
هؤلاء لا يسألون هل السيسي صادق أم كاذب؟
هؤلاء يسألون هل سيكون هناك شيء اسمه “بعد 2030” أصلاً؟
إذا جاء 2030، وسُلّمت السلطة فعلاً، فسيُكتب عن هذا اليوم كإعلان وداع نادر في تاريخ المنطقة وإذا تكرر سيناريو 2019، فسيُكتب عن هذا اليوم كفصل جديد في كتاب الوعود المصرية، الذي يزداد سماكة كل عام.





