مقالات وآراء

الدكتورة رضوى الشاذلي تكتب: اليمن والبحر الأحمر… صراع يتجاوز الحدود ويهدد توازنات المنطقة

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي تعبره السفن التجارية بين الشرق والغرب، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها حسابات الأمن القومي مع صراعات النفوذ الإقليمي والدولي، في مشهد يضع استقرار المنطقة ومصالح التجارة العالمية أمام اختبار بالغ الصعوبة.

وتكشف التطورات الأخيرة في اليمن أن الأزمة لم تعد محصورة في الصراع الداخلي، بعدما امتدت تداعياتها إلى أمن السعودية والممرات البحرية، وسط تصاعد المواجهات وتزايد المخاوف من اتساع دائرة الاشتباك.

وفي تطور لافت، أعلنت الرئاسة المصرية استعداد القاهرة لتقديم أشكال الدعم اللازمة للسعودية إذا طلبت ذلك، بالتزامن مع تحركات سياسية وبرلمانية لبحث تفويض محتمل بتقديم دعم عسكري. ويعكس هذا الموقف أهمية التنسيق المصري السعودي في مواجهة التهديدات الأمنية، إلا أن الاستعداد لتقديم الدعم لا يعني بالضرورة أن قرارا نهائيا بالتدخل العسكري قد اتخذ….

وتزداد حساسية المشهد مع التقارير التي تحدثت عن غارة جوية في محافظة صعدة شمالي اليمن، أسفرت، وفق وكالة أسوشيتد برس، عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل وإصابة 19 آخرين. وقد نسب مسؤولون حوثيون الغارة إلى السعودية، وهي نسبة ينبغي إبقاؤها في إطار الرواية المنقولة ما لم تتوافر أدلة مستقلة تحسم المسؤولية.
ولا تكمن خطورة هذه التطورات في عدد الضحايا وحده، بل في احتمال تحول التصعيد المتبادل إلى مواجهة أوسع، يصعب احتواء تداعياتها إذا تداخلت الحسابات اليمنية مع الصراعات الإقليمية القائمة….

ويمثل مضيق باب المندب أحد أبرز عناصر هذه المعادلة فهو بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويؤدي دورا مهما في حركة التجارة البحرية المتجهة إلى قناة السويس ومنها إلى البحر المتوسط. وأي اضطراب مستمر في هذا المسار قد يدفع شركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة، بما يرفع زمن الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين، ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.

وبالنسبة إلى مصر، فإن أمن البحر الأحمر يرتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدولة. فقناة السويس ليست مجرد ممر للسفن، بل أحد الشرايين الرئيسية للتجارة الدولية، وأي تراجع في حركة العبور نتيجة المخاطر الأمنية قد ينعكس على إيرادات القناة وتكاليف النقل والأسواق….
لكن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين المخاطر المحتملة والنتائج التي ثبت وقوعها فليس كل تصعيد عسكري يؤدي تلقائيا إلى خسائر اقتصادية محددة، كما أن تقدير حجم التأثير يتطلب الرجوع إلى بيانات حركة الملاحة والتجارة والإيرادات الفعلية.

وتتجاوز الأزمة كذلك الحسابات العسكرية، إذ يظل المدنيون اليمنيون من أكثر المتضررين من استمرار القتال، في ظل ما خلفته سنوات الصراع من تدهور اقتصادي وإنساني وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية. ومن ثم، فإن حماية الملاحة الدولية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاهل معاناة السكان أو إطالة أمد الحرب….
إن التعامل مع الأزمة يحتاج إلى مسارين متوازيين: أولهما حماية السفن والمنشآت الحيوية ومنع استهداف المدنيين، وثانيهما إحياء مسار سياسي جاد يعالج جذور الصراع اليمني ويحد من توظيفه في المواجهات الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتحول المخاوف من النفوذ الإقليمي إلى اتهامات غير موثقة بشأن وجود خطط موحدة للسيطرة على الممرات البحرية. فالتحليل الاستراتيجي يميز بين الوقائع المؤكدة والتقديرات، ويقيس مواقف الدول على أساس أفعالها المعلنة والمثبتة، لا على أساس الافتراضات وحدها….
لقد أصبح البحر الأحمر مرآة للتشابك بين الأمن والاقتصاد والسياسة فان اي اضطراب محلي قد ينعكس على التجارة العالمية، قرار إقليمي قد يؤثر في حسابات القوى الكبرى، بينما تتحمل الشعوب كلفة الصراع في صورة ارتفاع الأسعار وتراجع فرص التنمية وانعدام الاستقرار.

ويبقى السؤال: هل تنجح الجهود العربية والدولية في احتواء التصعيد وحماية الممرات البحرية، أم تتسع دائرة المواجهة لتصبح التجارة الدولية نفسها إحدى أوراق الضغط في صراع النفوذ؟

إن استقرار البحر الأحمر لن يتحقق بمجرد امتلاك القوة، بل ببناء توازن يحمي سيادة الدول وحرية الملاحة ويمنح التسوية السياسية فرصة حقيقية. فالممرات البحرية قد تمنح الأطراف أوراق ضغط مؤقتة، لكن أمنها واستقرارها هما الأساس لأي مصالح اقتصادية مستدامة….

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى